الرئيسية / رمضانيات / حقائق قرآنية حول الخلق و خطيئة آدم وحواء

حقائق قرآنية حول الخلق و خطيئة آدم وحواء

عبد الواحد الأشهب

كل علاقة بين رجل وامرأة إلا و تحيل على قصة الخلق وحكاية خطيئة آدم وحواء. ويزخر تاريخ حضارات الشعوب العريقة بالحكايات و الخرافات حول أصل الإنسان وخلق الكون، غير أن الديانات السماوية متفقة حول المبادئ الأساسية لهذا الخلق، وإن اختلفت حول الخطيئة ومدى مسؤولية حواء عليها. وهنا انبرى الإسلام ليوضح هذَه النازلة ولِيُخلِّص الأب الأول و الأم الأولى من كل التحريفات و الخرافات المتحاملة والافتراءات؛ وبفضل القرآن بُرِّئت حواء ، بصفة نهائية، من تهمة إغواء آدم بالأكل من شجرة التفاح التي نهيا بأمر رباني عن الأكل منها.

بالنسبة لخلق الكون والإنسان، يتفق القرآن في بعض آياته مع التوراة بخصوص بعض ملامحه ؛ فهو يقر بأن خلق السماوات و الأرض تم في ستة أيام كما جاء في سورة الفرقان:” الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أيام”، وفي غيرها من الآيات القرآنية، ولكن القرآن لم يذكر شيئا عن “استراحة الله في اليوم السابع”. وبهذا الصدد ، ذكر ابن الأثير أن” الله خلق الأرض يومي الأحد والاثنين، وقدّر فيها أقواتها يومي الثلاثاء و الأربعاء، وخلق السماوات يوم الخميس وأنهاه يوم الجمعة، وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة”. وقد اتفق الزمخشري على ثنائية الأيام في خلق الأرض وفي تقدير أقواتها وكذا في خلق السماوات، ومجموع المدة ستة أيام. وفي التفاسير الحديثة نجد أن الله خلق الأرض في يومين، وقدّر قُوتَها في يومين، وخلَق السماوات في يومين، ثم خلق آدم في يوم الجمعة ، وجمع كل خلقه في اليوم السابع ليظهر قدرته سبحانه وتعالى أمام خلقه.

*آدم من طين

إن آيات القرآن الكريم في مواقع متعددة صريحة في توضيح خلق آدم. ففي سورة السجدة جاء قوله تعالى:” وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين”؛ و في سورة الحجر:” وإذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين”. و الطين المقصود هنا في الآية الكريمة هو طين الأرض، فقد أمر الله بأخذ قبضة من تراب الأرض من أماكن متفرقة ، تشمل التربة السوداء والبيضاء و الحمراء و الصفراء، ثم خُلطت أنواع الأتربة وبُلِّلت حتى تحولت إلى طين لازب ،أي متماسك وشديد اليبوسة، وتركت حتى تحولت إلى حمأ مسنون. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: “خلق آدم من صلصال من حمأ ومن طين لازب ، وأما اللازب: فالجيد، وأما الحَمَأ: فالحمأة، وأما الصَّلصال: فالتراب المرقَّق …”. وروى الثعلبي” أن الأرض رفضت في بادئ الأمر أن يأخذ منها جبريل، عليه السلام، ما سيكون بعد ذلك وقودا للنار، فرجع ولم يأخذ شيئا من ترابها، ثم نزل ميكائيل عليه السلام فاستعاذت الأرض منه، فرجع ولم ينل منها شيئا، فبعث الله تعالى ملك الموت عزرائيل إلى الأرض، وعندما استعاذت بالله منه، قال عزرائيل : إني أعوذ بالله أن أعصي له أمرا، ثم أخذ التراب المطلوب وعاد إلى السماء…”. وهذه القصة أثارت كثيرا من الجدل، فكيف يمكن تقبُل أن الأرض عصت أمر الله عدة مرات، وكيف يعجز كبار الملائكة عن تنفيذ أمر الله، والله أعلم.

يقال أيضا أن الروح دخلت أول ما دخلت إلى جسم آدم عن طريق رأسه، والرأس هو آخر عضو تغادره الروح عند الموت. وأمرا لله الملائكة بالسجود لآدم عندما يُنفخ فيه الروح، كما جاء في سورة الحجر:” فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين”. هذا التكريم الهائل لآدم لا نجده بهذا الوضوح وبهذا التمييز في الأديان الأخرى و المعتقدات القديمة، ويقال أن الله تعالى خلق آدم بيده حتى لا يتكبر أحد على  السجود له بعد ذلك، كما يقال أيضا إن آدم ظل أربعين ليلة و أربعين عاما راقدا على الأرض قبل نفخ الروح فيه، ولا أحد يعلم كم تساوي الليلة أو السنة في تلك الأقوال قياسا على ما تساويه في حساباتنا، فنحن نعلم أن القرآن الكريم ذكر ” وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدُّون”.

*حواء والضلع

لم تتطرق الآيات القرآنية صراحة لتفاصيل قصة خلق حواء كما ذكر تفاصيل خلق آدم، ولكن كُتُب التفسير أشارت إلى قصة لخلق حواء تتشابه كثيرا مع ما جاء في التوراة حول أخبار آدم وحواء. وملخص القصة يقول، كما جاء في كتاب ” الكامل في التاريخ ” لابن الأثير، أن الله تعالى ألقى النوم على آدم وأخذ ضلعا من أضلاع جانبه الأيسر ووضع مكانه لحما وخلق منه حواء، فلما استيقظ ورآها بجواره قال لها: “لحمي ودمي وروحي” وخرج بها، ولما سألته الملائكة: من هذه يا آدم؟ أجاب: امرأة.. ولماذا سُمِّيَت امرأة؟ لأنها أخذت من المرء، وما اسمها؟ أجاب: حواء، لأنها خلقت من كائن حي، وفي أقوال أخرى: لأنها أمّ كل شيء حي. وتتحدث آيات القرآن الكريم إجمالا عن خلق حواء في مواضع متعددة. ففي سورة الروم يقول عز وجل:” ومن آياته أنْ خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”. ويقول تعالى  في سورة الأعراف :” هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها”. وقد أجمع أغلب المفسرين على  أن النفس في هذه الآيات تعني الزوجة أو المرأة. وقد صور القرآن الكريم الزواج بالصورة الرائعة، حيث جعله سكينة للمرأة والرجل وجعل بينهما مودة ورحمة، وهذا هو الأصل في الزواج وليس العكس مما نشاهده في بعض الأحوال.

جاء في صحيح البخاري أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ” استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء”، وفي هذا القول يذكر الرسول الكريم صراحة أن المرأة خلقت من ضلع،  وبطبيعة الحال هو ضلع الرجل أو ضلع آدم.

*الخطيئة وواقعة الهبوط

أنقذ القرآن حواء من إدانتها بكونها سبب الخروج من الجنة، وذلك بتأكيده صراحة أن الشيطان هو الذي أغوى آدم. ففي صورة طه يقول تعالى:” فَوَسْوس إليه الشيطان، قال يا آدم  هل أدلك على شجرة الخلد  ومُلك لا يبلى”، في حين لم تذكر أي آية أن حواء هي التي مهدت سبيل إغواء آدم. وبهذا الإنصاف رد لحواء اعتبارها.

لقد كان عقاب الله على خطيئة عصيان آدم وحواء هو قوله تعالى: “قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو”. و أَلِفُ الاثنين في قوله “اهبطا” راجعة إلى آدم وحواء اللذين ذكرت خطيئتهما في قوله تعالى :”فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ” ، خلافا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم  وأمره إياهما بالهبوط من الجنة المذكور في آية ” طه “؛ و هذا ما جاء مبينا في غير هذا الموضع ،كقوله في سورة ” البقرة ” : وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدُوٌّ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ” ، وقوله فيها أيضا : “قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون” ، وقوله في ” الأعراف ” : “قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين” . وفي هذه الآيات سؤال معروف ، وهو أن يقال : كيف جيء بصيغة الجمع في قوله اهبطوا  في ” البقرة ” و ” الأعراف “، وبصيغة التثنية في ” طه ” في قوله : اهبطا مع أنه أتبع صيغة التثنية في ” طه ” بصيغة الجمع في قوله “فإما يأتينكم مني هدى”، وأظهر الأجوبة عن ذلك : أن التثنية باعتبار آدم وحواء فقط ، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما ، خلافا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس ، والجمع باعتبار ذريتهما معهما ، وخلافا لمن زعم أن الجمع في قوله : اهبطوا مراد به آدم وحواء وإبليس ، والحية . والدليل على أن الحية ليست مرادة في ذلك هو أنها لا تدخل في قوله فإما يأتينكم مني هدى لأنها غير مكلفة .

يَذْكر المفسرون قصة الحية ، وأنها كانت ذات قوائم أربع كالبختية ، وأن إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنة ، فوسوس لآدم وحواء بعد أن عرض نفسه على كثير من الدواب فلم تُدْخِله إلا الحية ، فأهبط هو إلى الأرض، ولُعِنت هي، ورُدَّت قوائمها في جوفها، وجُعِلت العداوة بينها وبين بني آدم. ولذلك أمروا بقتلها.

اختلف المفسرون حول تحديد مدة بقاء آدم وحواء في الجنة، فقال بعضهم أن آدم مكث مائة عام، ثم بكى على الجنة سبعين عاما وعلى خطيئته سبعين عاما أخرى؛ كما اختلفوا حول مكان الجنة، هل هي في السماء، وإذا كانت كذلك ففي أية سماء، وهل هي في الأرض، على اعتبار أن من يدخل الجنة لا يخرج منها أبدا، وأين مكان هذه الجنة الأرضية؟، بعضهم قال أنها توجد في مكان ما بهضبة التيبت أو بجبال الهيمالايا، وأن الهبوط هو هبوط معنوي من الجنة أو من رضوان الله. ويقال أن آدم وحواء هبطا إلى الأرض قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقا فيه، أي يوم الجمعة. ومن الواضح أن آدم هبط في مكان وحواء في مكان آخر. وقد قال ابن عباس رضي الله عنه أن آدم هبط على الأرض فوق جبل في الهند، فيما هبطت حواء في الجزيرة العربية بمكان بجدة.

*وفاة آدم وحواء ومكان دفنهما

يقول المفسرون أن آدم عاش حوالي ألف سنة، وأنه مرض قبل وفاته أكثر من عشرة أيام، ومات يوم جمعة، وآتته الملائكة بكفن من السماء؛ ويقال أيضا أن الشمس حينها كسفت وخسف القمر لمدة أسبوع كامل. ويقول بعض علماء المسلمين أن آدم حين وافته المنية كان سنه تسعمائة وستا وثلاثين عاما. ويقول أهل التوراة أن عمر آدم عليه السلام كان تسعمائة وثلاثين عاما، وفي الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر في تاريخ الطبري، أن عُمْر أبينا آدم حين وفاته كان ألف سنة، والرسول هو الأصدق لأنه لا ينطق عن الهوى. وقد اجتمعت الملائكة ، بأمر من الله جل شأنه، بعد أن بعث بكفنه وحنوطه من الجنة فتولت غسله وتكفينه والصلاة عليه وحفر قبره ثم دفنه.

  أما عن حواء، فحين مات آدم عليه السلام حزنت عليه حزنا شديدا … وعاشت بعده سنة، ثم ماتت ودفنت معه. أما عن مكان وفاة حواء فلا تكاد المصادر تسعفنا بالخبر اليقين، ولكن بعض العلماء أشار الى أن وفاتها كانت فى الجزيرة العربية. وقد أنجز الدكتور “عبد الله يونس” أستاذ التاريخ القديم بالسعودية دراسة تاريخية، أثبتت أن قبر السيدة حواء، أمّ البشرية،  يوجد في مدينة جدة، وبالضبط بمنطقة طريق الساحل القريبة من ساحل البحر الأحمر. وقد صرح بأنه وصل أخيرا إلى هذا الإثبات بمساعدة فريق البحث الخاص به والاستعانة بعدة كتب عن الرحالة العرب واليونانيين وغيرهم من الذين قالوا جميعا أن السيدة حواء قد دفنت فى مدينة جدة تحت أسوار المدينة القديمة.

عن Scoopress

تحقق أيضا

سيدي سليمان :معاناة سكان حي “بام” مع انقطاع الماء

رشيد بنعمار تعيش ساكنة حي “بام” بسيدي سليمان،هذه الأيام، معاناة مع  انقطاع الماء الصالح للشرب.والملاحظ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Using cookies
هذا الموقع يستعمل الكوكيز من أجل استعمال أفضل. إذا استمرّيت بالتصفح فإنك توافق على قبول ملفات تعريف الارتباط المشار إليها، وقبول سياسة الكوكيز.