الرئيسية / ثقافية / هرطقات أيلال عن أبي بكر وعمر

هرطقات أيلال عن أبي بكر وعمر

 

د .خالد فتحي

ليس المفاجئ أن ينكر رشيد ايلال وجود الشيخين أبا بكر وعمر. بل المفاجئ فعلا أن يكون من بيننا من لم يتوقع له هذه السقطة الجديدة … من لم ينتظر منه أن يشطح مرة أخرى و لو بعد حين قصير من شطحته الأولى ….. تلك التي قد تخيل عندها انه قد أتانا بما لم يأت به الأوائل… حين أنهى( أسطورة )قد عمرت قرونا طويلة في الوجدان والعقل الإسلاميين تسمى صحيح البخاري بجرة جهل .

Image associée
هو هكذا يؤرقه كثيرا أن يظل مغمورا… نكرة ..لا يتحدث عنه الناس …لذا فهوايته التي أدركها الجميع الآن أنه يبحث له دوما عن موقع صغير تحت الشمس يخرجه من العتمة وازورار الناس عنه، ولو كان ذلك بطريقة ونهج لون من ضعفاء البصيرة ممن يتوسلون للشهرة بتحطيم الأيقونات.
مصيبة ايلال هذا التي تفرقه عن غيره من أثمان المثقفين،  انه لا يختار الا أيقونات بعينها …أيقونات عزيزة جدا على قلوب المسلمين… كأنه يتجمل ويتزلف للجهة المعلومة إياها التي لا اخالها تخفى على أحد ….الجهة التي تقطر حقدا اسود وسما ناقعا على الإسلام
لطالما تواجد ،منذ فجر المعرفة، أدعياء بحث صغار يلعبون على ضفاف العلم الحقيقي، لكنهم يتوهمون انهم يمخرون عبابه .يطلعون علينا من حين لآخر بأنهم قد اخترعوا العجلة من جديد. ويطبلون ويجدون من يطبل لهم ثم تنتهي زوابع الفناجين .
هؤلاء الْمُدَّعون ،ونظرا لضحالة عقولهم ….ولعدم اطلاعهم على ما يكفي ، يظنون انه انفتح وانكشف لهم ما انغلق واستعصى على غيرهم، فيفرجون عن نظريات بناؤها ظاهرها الحق بينما باطنها الباطل عينه.
كم ظننته قاسيا ذاك الشاعر الذي انشد يوما هذا البيت عن مماحكات السذج وبسطاء العقول وجرأتهم في الجهل الذي يقول فيه :
“وليس يصح في الأذهان شيء… إذا احتاج النهار الى دليل”
الى أن رأيت من ديدنه إنكار المسلمات والواضحات فعذرت الشاعر ،وعرفت أن على الأرض من لا يستقيم معهم لا نقاش ولا خلاف .
يعتقد ايلال أو يشبه له أنه يطبق المنهج الشكي. ولعله يري نفسه طه حسين جديد. و هو الذي ينسي أن هذا المنهج له قواعده النظرية وله حدود، ولا يطال كل شيء، لكي لا يسقط في العبث والإسفاف والعدمية،فيخرج من دائرة البحث والعلم وغالبا ما يقع ذلك بالخصوص عندما يعمله أشباه المثقفين وصعاليك الباحثين ليس عن الحقيقة طبعا بل عن الشهرة والصيت فيأتون بعجيب النتائج وخوارق العبث .
حتى طه حسين، الذي شكك في الشعر الجاهلي واعتبر أغلبه منحولا ،قد قدم حججا كثيرة على شكه، رأى منتقدوها ومخطؤوها انه مع ذلك لم يلقها جزافا، وانه قد أسس لها على الأقل علميا وعقليا ، ولذلك حاوروه وانتفضوا حياله .
طه حسين، رائد هذا المنهج في الفكر العربي الحديث الذي بتمسح به ايلال، كان قد طبقه على العصر الجاهلي فقط ، ولم يجرؤ على أن تمتد به ريبته الى النصوص الأساسية للإسلام كصحيح البخاري ومسلم ..الخ ولا إلى الأحداث التاريخية الرئيسية للعصر الإسلامي، كحروب الردة لأبي بكر ، وفتوح الشام ومصر لعمر، والفتنة الكبرى في عهدي عثمان وعلي ، بل حللها تحليلا نقديا وسوسيولوجيا وتاريخيا لا تحليلا شكيا ..ليكتب لنا كتبا مفيدة من مثل : “على هامش السيرة”، و”الشيخان” (يقصد بهما ابا بكر وعمر)، ثم كان له كتابا “عثمان وعلي” واخيرا “علي وينوه”.
اشد ما اخاف على هذا الباحث الذي ضل الطريق منكر عمر وابي بكر، أنه اذا اصابتنا عدواه ،وطبقنا منهجه العشوائي في البحث،  أن نشك في وجوده هو نفسه .فهل له وثيقة أو حجة خارج عقد الازدياد تدل على انه فعلا رشيد ايلال ،وانه ابن ابيه ، فلا نظن انه له دليلا قطعيا موثوقا به مائة في المائة من الناحية العلمية على ذلك… مثله في ذلك كمثل بقية الناس طبعا حتى لا نقسو عليه ،ذاك أن غرضنا لا يعدو أن نشرح له غيه بالخشيبات التي يدرس بها الصبية حتى يفهم انه لا يفهم.
مانخشاه هو ان يجرنا هذا الباحث المتنطع الذي يحدد نتائج بحثه قبل الشروع فيها،  الى أن ندخل معه في نقاش حول وجود أبوبكر وعمر من عدمه ،وهما أعظم شخصيتين في الإسلام بعد الرسول الكريم دون أن نكون قد وقعنا في حبائل التفاهة والسخف الفكري .ولكننا مع ذلك لابد أن نسأله بعض الأسئلة البسيطة جدا مما يرد على الذهن دون اي ترتيب :
-كيف يغطى هو المرحلة التاريخية بين الرسول الكريم وعثمان الخليفة الثالث إذا محونا أبوبكر وعمر؟
-وكيف كانت الفتنة الكبرى ستؤدي بعثمان رضي الله عنه،  لو لم يحاسبه رؤوس الضلال على عدم اقتدائه بالشيخين وعدم سيره فيهم سيرتهما النقية العظيمة التي شكلت تحديا للاحقين من الراشدين ؟؟؟
-أين يجد جذور الانقسام التاريخي الذي جرى في الإسلام بين شيعة وسنة ؟؟ أم أنه لا يرى هذا الانقسام ايضا؟؟.
– وهل امنا عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها غير موجودة في ملته واعتقاده اذا كان سيدنا ابوبكر نفسه غير موجود ؟؟.
– ثم ليبح لنا بمن أطاح بامبراطورية الفرس ؟ومن هزم الروم وأخرجهم من الشام ومصر ؟؟؟
-من في رأيه خاض حروب الردة؟؟.ام انه لم تكن هناك ردة في الإسلام إطلاقا؟؟.
هل يعرف أن هناك ما يسمى المسلمات والبداية والبديهيات لابد منها لينطلق منها البحث ؟
مصيبة بعض المتفيقهين الذين يعتقدون أنهم يبحثون في التاريخ انهم لا يتمكننون من تمثل المرحلة التاريخية التي هم بصددها،  فلا يمحصونها بالمعايير المقبولة والسائدة في فترتها، حيث لا يفرحون بالسفر إليها بعقولهم. بل يخضعونها لأفكار هذا العصر ؛لذلك تراهم في حالة نشاز وشرود ، يبحثون خارج السياق ،وبالتالي لا ينتهون غالبا الا لنتائج عجائبية تغري بالضحك والسخرية.
لِعِلْمِ رشيد ايلال ، أن أبابكر وعمر لم يكونا ملكين أو امبراطورين… لقد كانا بكل اختصار صاحبا الرسول ورفيقيه .ولعله لا يتمثل ايضا أنهما لم يؤسسا لملك عضود.
فأبو بكر كان خليفة الرسول و حكم لسنتين أو قد زاد عليهما قليلا، وعمر بن الخطاب كان خليفة خليفة رسول الله ثم كان أن صار أول أمير للمؤمنين في تاريخ الإسلام. هذان الخليفتان كانا في الحقيقة يستكملان التجربة الروحية والأخلاقية للرسول . فقد كان اتصال الأرض بالسماء في حكمهما لازال وشيك عهد بالانقضاء ،وكان الصحابة الكرام ، و من معهم من المسلمين،  لازالوا تحت تأثير ذاك الاتصال يعيشون بوجدانهم في عبق الدعوة المحمدية وأريجها مهتمين لتبليغ هذا الوحي لباقي المعمور.
كانت الفتوح تتم في كل اتجاه.وكان أمراء الفتح والوفاة يعيشون في شبه استقلال عن السلطة المركزية للمدينة المنورة .ألم يكن عمر ، وهو الخليفة، يكابد جوع عام الرمادة بينما كان معاوية بن أبي سفيان وَالِيَه على الشام،هو من بمقدوره أن يعينه ويسد رمقه.
عمر كان قويا في الحق و بسيطا في الحياة. وكانت بساطته هاته مفارقة للقوة التي أصبحت عليها الأمة في عهده، ولا تتناسق فعلا مع الرقعة الجغرافية الشاسعة التي كانت تحت كنفه لأنه ،رغم أنه كان نظريا أقوى رجل في العالم، فلم يكن مع كل ذلك لا ملكا ولا امبراطورا بحشم و حاشية وبلاط.
كانت قراراته تنفذ في الأمة بفعل العنفوان والنقاء اللذين كان عليهما الدين السمح في السنوات الأولى للخلافة الراشدة.
هذا ما لا يفهمه ايلال الذي يبحث عن أبي بكر وعمر بن الخطاب كامبراطورين فلايجدهما، لأنهما ببساطة كانا خليفتين للرسول بكل معنى الكلمة ؛و كانت صحبتهما للرسول تطغى فيهما على سلطتهما الزمنية.
سينصب ايلال في خياله وتدويناته الشاذة المشانق للخالدين في تاريخ الإسلام، وعينه في الحقيقة ليست عليهم بل على الحقبة المحمدية التي يتحرش بها قاصدا أن يشكك فيها ويهدمها من خوفها بالضلالات التي يطلق عليها اسم البحث، فعلى من سيقع الدور ياترى بعد عمر الفاروق وابي بكر الصديق؟؟؟.
الواضح أن كتابه عن صحيح البخاري قد استهدف به أحاديث الرسول؛ و الواضح الآن ايضا انه يريد أن يمس بالحقيقة الأولى التأسيسية للاسلام من خلال المس بصاحبيه….انه ينفي كل شيء ويزرع الشك تحت ذريعة البحث يبتغي بذلك ان يثبط همة الأمة، لكنه ربما لا يدري انه لا يظهر، رغم كل هذا الجهد والتطرف في التفكير، الا كمجرد دون كيشوت مضحك لا يحارب حتى طواحين الهواء .
أخيرا هل النقاش الذي نحتاجه الآن هو وجود الخليفتين ابو بكر وعمر من عدمه؟ أم ذاك الذي ينكب على إيجاد اسباب اللحاق بالعالم المتقدم ؟ .طيعا لن نكون من أنصار الحسبة على الأفكار بما فيها التافهة ، ولكننا نتساءل:إلى متى سنظل نناقش التفاهة بنفس الجهد والطريقة اللتين نناقش بها الفكر؟؟؟.

عن Scoopress

تحقق أيضا

الجزائر:مسيرات الجمعة 43 ترفض المسار الانتخابي وتعتبره “لاحدث”

مشهد من الحراك الشعبي في الجزائر الرافض للانتخابات سكوبريس ـ متابعة  عرفت الجمعة 43 للحراك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *