الرئيسية / ثقافية / تأجير الأرحام: بين التقنية الفعالة والتقنين المستحيل

تأجير الأرحام: بين التقنية الفعالة والتقنين المستحيل

د. خالد فتحي(+)

أثار إعلان السعودية سمية إبراهيم الناصر، المقيمة بأمريكا، كونها ستحمل من خلال امرأة أخرى، نقاشا حادا بمواقع التواصل الاجتماعي تعدى حدود وطنها إلى سائر العالم الإسلامي بين مؤيد ومعارض .ومما غذى هذا الانقسام أن المعنية بهذا التصريح المثير للجدل، تقدم نفسها صاحبة دكتورا في علوم القرآن والتفسير، وهو ما سبب حيرة كبيرة للعديد من الازدواج المسلمين العقيمين؛ وجعل البعض منهم يعتقد خطأ أن طريقة الأم البديلة أو ما يعرف لدى أطباء أمراض النساء والولادة بعدة مسميات ك: الحمل لفائدة الأخر، الحمل لحساب الغير ، تأجير الرحم،الرحم الظئر، تعد تقنية مقبولة من الناحية الأخلاقية والشرعية .والحقيقة ليست كذلك تماما. فهذه التقنية، فضلا عن كونها مرفوضة في المجتمعات المحافظة ،فهي لا تحظى فوق هذا بأي دعم أو تأبيد حتى من طرف قوانين دول الغرب التي من طبيعتها التساهل مع تقنيات الإنجاب المدعوم طبيا تساهلا يصل حد قبولها حتى بتلك التي تخلط بين الأنساب .

فكيف لتقنية تبدو نظريا أبعد تقنية عن التورط في خلط الأنساب ألا يقبل بها حتى في الدول المتحررة.؟ وما هي المخاطر والمحاذير القانونية والأخلاقية والدينية التي تجعل منها تقنية محرمة في أغلب دول العالم شرقه وغربه؟.وكيف حصل شبه الاتفاق حول رفض هذه التقنية رغم اختلاف المرجعية الدينية والإيديولوجية؟.
المؤكد أن السر في هذا الإجماع وهذا النبذ يكمن في الجوانب الأخرى للتطبيق؛ وهي ذات طبيعة اجتماعية ،وقانونية، وإنسانية ،وأخلاقية،  وأنها من الحدة بحيث ألغت التقاطب المرجعي للدول .لكن دعونا أولا نعرف هذه التقنية ثم نطلع في مرحلة موالية على دواعيها الطبية .
حسب هذه التقنية، يستفيد الزوجان اللذان يعانيان من عدم الإنجاب من خدمات رحم امرأة أجنبية عنهما لأجل احتضان الجنين، والقيام بمهمة الحمل والوضع بدلا عن الزوجة .حيث يعمد الطبيب، بعد تخصيب بويضة الزوجة بالحيوان المنوي للزوج في المختبر، وحصوله على البويضة الملقحة،  إلى وضعها في رحم امرأة أخرى للنمو .وبعد الولادة، يتسلم الزوجان مولودهما الجديد .وهكذا يكون هذا الجنين يحمل الصفات الوراثية لأبويه البيولوجيين،  لأن المادة الوراثية تتحدد نظريا بشكل نهائي لحظة التخصيب من خلال اتحاد الجنيوم الأنثوى والذكري .وبالتالي يعتقد البعض أن ليس هناك غبار أو ظلال شك حول مسألة النسب هاته. وهو ما سنبين انه ليس صحيحا مائة بالمائة،حيث يشبه له تبعا لذلك أن الأم البديلة أم محايدة، أي أنها مجرد فاعلة خير ،لكن الأمور ليست بهذه البساطة. فالشيطان يكمن في التفاصيل.
يستفيد من هذه التقنية الأزواج الذين يشكون من العقم بسبب العامل الرحمى .بمعنى أن رحم الزوجة هو المتورط في عدم الإنجاب كأن يكون غير موجود أصلا. أو موجود، ولكنه غير قادر على الاضطلاع بوظيفة الإنجاب، أي انه غير صالح لاستقبال الحمل والعبور به لبر الولادة .
من الأمثلة على ذلك عندما تعاني المرأة من متلازمة روكيتانسكي، وهو عيب خلقي يصيب واحدة من كل 3500 ولادة للإناث. حيث تولد المولودة الجديدة دون رحم ودون الثلثين العلويين للمهبل، لكن يكون لديها قناتا فالوب ومبيضان سليمان سيشرعان في الإباضة عند سن البلوغ إلى سن اليأس.الفارق أن هذه المرأة لا يكون لديها عادة شهرية ،ولا يمكنها الحمل لغياب الرحم الذي هو ضروري للتعشيش ونمو الجنين رغم أنها تتوفر كبقية النساء على الخلايا الجنسية ، أي البويضات . وفي هذه الحالة يكون الحل هو استخراج هذه البويضات وتلقيحها بالحيوان المنوي للزوج ثم وضع البويضة في رحم امرأة سليمة لتقوم بمهمة الحمل .
يقدر انه تولد في فرنسا كل سنة 200 مولودة تعاني من هاته المتلازمة، وانه توجد الآلاف من النساء بأوروبا، والملايين بالعالم،  بحاجة لهذه التقنية.كما يقدر انه توجد في المغرب مثلا 8000 حالة متلازمة روتييكانسكي .
كذلك سنفهم من ناحية أخرى أن كل امرأة يعود عقمها لعدم أهلية الرحم يمكن أن تستفيد من هذه التقنية كالمعاناة من تشوه خلقي داخل الرحم،  من مثل حاجز يقسمه لنصفين أو وجود رحم ضامر جدا يؤدي دون بلوغ الحمل أجله، أي إلى إسقاط متكرر.وأحيانا قد تفقد المرأة رحمها بسبب تدخل طبي سواء عقب الولادة بسبب نزيف أو بسبب أمراض نسائية تتطلب استئصال الرحم كالأورام الليفيية الكبيرة والمتعددة أو بسبب السرطان … .
لكن في الدول الغربية التي يباح فيها كل شيء تقريبا، قد تفكر المرأة في أم بديلة ليس لضرورة العقم، وإنما ترفا فقط لعدم رغبتها في تجشم عناء الحمل وآلام المخاض و الولادة، أو لتقدم سنها ، وقد جمدت بويضاتها في طور الشباب .باختصار مثل هذه المواقف كثيرة جديدة ومتنوعة


الأدلة التي يتشبت بها مناصرو تقنية تأجير الرحم


ينطلق المؤيدون لشرعية اللجوء لهذه التقنية من كونها:
1-
تستند إلى حق المرأة المؤجرة في التصرف بجسدها باعتباره ملكا خاصا لها خصوصا،  وان الحامل لا تتخلى عن طفلها الذي هو من صلبها بل هي ترد الطفل لأبويه الحقيقيين الذي هو من صلبهما.وهذا شكل من أشكال رد الأمانة لأصحابها مالكيها الحقيقيين
2-
أنها تحقق إشباعا نفسيا للزوجين من خلال تمكينهم من الحصول على الطفل الحلم . إذ من حقهم على المجتمع إنهاء مأساتهم من خلال حلول ، خصوصا إذا تم ذلك بتأطير قانوني كما يدعو لذلك صاحب كتاب “أسرة بأي ثمن”، الاخصائي النفسي جنفيف ديلايسي .
3 –
رغم ان غريزة الأمومة تنبجس وتتشكل تدريجيا خلال الحمل.إلا أن وضوح الالتزامات منذ البداية يجعل الأم البديلة لا تسقط في هذا الفخ لأنها تعلم أنها تحمل طفلا لغيرها ولذلك هي لا تعيش هذا الحمل كما لو كان من صلبها ؛ زيادة على ذلك أن الحمل يعاش عادة رفقة الأبوين البيولوجيين.فالأمر يتم كما لو كان تفويضا بالحمل للأم البديلة وحملا بالتماس والاحتكاك بالنسبة للام المؤجرة.
في بعض الدول لا تتعرف الأم المأجورة والمستأجرة على بعضهما البعض .وبالتالي ينحصر دور الأم البديلة في استضافة البويضة الملقحة في أحشائها لمدة 9 أشهر كما لو كانت في النهاية شباكا لتحويل العملة أو فرنا يوضع فيه الجنين ليطهى بعد ذلك طفلا كاملا.
4 –
لا يتعلق الأمر دائما باتجار في البشر. فالعملية تؤطرها عادة قوانين صارمة  تقر غالبا بشرعية و بضرورة تقاضي الأم البديلة لإتعاب أو لعمولة نتيجة تجشمها عبء الحمل والوضع .وهذا أمر لا غضاضة فيه


لماذا ترى الأغلبية انه لا ينبغي السماح بتقنية تأجير

الرحم؟؟.
رغم ضخم ترسانة الأدلة التي يدفع بها الاتجاه الأول، إلا أن الاتجاه السائد في العالم هو منع هذه التقنية لعدة أسباب منها:
1 –
أن حق الإنسان في التصرف بجسده نسبي وليس مطلقا. خصوصا أنه لا يتم كراء الرحم فقط بل كراء المرأة، لأن الرحم لا يمكن فصله عنها.
2-
تحول الحمل إلى مجرد مرحة مؤقتة في العلاقة المتينة التي يفترض أنها تربط بين الطفل والأم بينما هو في العمق بنيان وأساس هذه العلاقة .
3-
عدم جواز تحول الرحم إلى مجرد جهاز أو فرن لطرح الأطفال،  بل هو عضو محل عدد من التمثلات والاستيهامات النبيلة
4 –
تغير مفهوم الأسرة ، حيث أن الطفل يشارك في إنجابه ثلاثة : اثنان يساهمان فقط بالخلايا الجنسية دون تجربة الحمل ،وواحدة تنجز المهمة لتتخلى عن الطفل في الأخير.واستفزاز الرجل الذي يخصب امرأة وتحمل له أخرى مما يجعله موزعا بين الاثنتين وقد يميل بعواطفه للمرأة الظئر
5 –
تفكك مفهوم الأمومة وانشطاره إلى أمومة بيولوجية لصاحبة النطفة ونفسية للحامل ثم بعد ذلك اجتماعية لصاحبة الطفل .هذا التشظي يخلق فصاما أموميا لدى الأولى، وفطاما صعب المذاق للثانية
5 –
استغلال هشاشة بعض النساء وقد بين بحث أنجز بولاية ميشيغان أن 40 في المائة من الأمهات البديلات فعلن ذلك بسبب الفقر .
6-
تجارة الحمل، حيث تؤدى هذه التقنية إلى ظهور مراكز للوساطة في إيجاد هؤلاء الراغبات في تاجير أرحامهن، والى عقد صفقات اتجار بالبشر عابرة للحدود.
7-
خضوع الكثير من الأزواج للنصب والتحايل والابتزاز والمساومة بعد رفض الأم البديلة إتمام الصفقة من خلال احتفاظها بالطفل والنقود .وهذه حالات أثيرت كثيرا بالعالم الغربي.
لكننا ،  وجاهة هذه الاعتبارات ، نعتقد أن هذه التقنية لن تلقى أبدا القبول بسبب تضمنها لإشكاليات أخرى بنيوية في التطبيق يستحيل الالتفاف عليها أو ابتكار حل لها.
هناك أولا الملاحظات العلمية التي أخذت تتوارد والتي تنفي أن تكون الأم المؤجرة مجرد حاضنة للجنين ،بل ثبت أنها هي أيضا مساهمة في التكوين الجيني للجنين وفي هوية المولود الجديد .
لا يعرف الكثيرون أن هذه التقنية تسللت إلى الطب البشري بعد استخدامها في الطب البيطري حيث فكر بعض البياطرة أن يضعوا جنين بعض السلالات النادرة لبعض الأنواع الحيوانية في رحم حيوان أنثى اقل قيمة لإراحة السلالة الأولى من متاعب الحمل والولادة والاحتفاظ لها برشاقتها والحصول على عدة أجنة .
لكن مع مرور الوقت، انتبه البياطرة إلى أن فرو بعض الكلاب، مثلا،  ولون شعر بعض المهور، كان يشبه ذاك الموجود على الأنثى أو الفرس التي وضع الحمل في رحمها، مما جعلهم يطرحون شبهة أن الحامل والبيئة التي يكبر فيها الجنين ليست تماما محايدة .
لقد بين الطب الآن أن حياتنا قبل الولادة وأحداث الوضع تترك بدورها آثارا في الأغوار العميقة للشخص.ذلك أن المادة الوراثية للجنين لحظة التخصيب ليست هي بالضبط تلك التي يولد بها ؛هناك اختلاف بينهما ناتج عن التأثر ببيئة الحمل. يوجد دائما تفاعل وحوار بين المادة الوراثية أو جينوم الجنين والمحيط الخلوي والفيسيولوجي كما يبرز ذلك الآن علم الابيجينتيك epigenetique .
التربية تبدأ قبل الولادة وكذلك الذكاء يكون موجودا خلال المرحلة الجنينية.فهوية الطفل تتشكل خلال حياة ما قبل الولادة من خلال استئناسه بضربات قلب أمه ،ورائحة المشيمة لديها ، وحتى مذاق السائل الامنيوسي الذي يتغير طعمه طبقا لتغذية الأم .
إن الطفل ،وهو جنين، يتعود على صوت الآباء، وعلى اليد التي تربت عليه عبر بطن أمه، ويتعرف على صوت الأم ويخزنه ، فيتعلم من خلال هذه المراجع أن يفرق بين شعوريين أساسيين: الأمان وعدم الأمان.هناك تناغم بين حياته المائية الأولى في المجرة الأولى التي يمثلها الرحم، وبين الحياة الهوائية حين يخرج للدنيا.و لذلك عندما يولد، يستطيع أن يربط بين الحياتين من خلال هذه الدلائل ليواكب الحياة الأسرية .انه يتعرف على نفسه من خلال أمه التي حملته ووضعته .فيقول في عقله الباطني: بما أنها هي، إذن أنا هو أنا.
الحمل بالبداهة وبالعلم ، لا يمكن أن يكون مرحلة محايدة.إنه أهم مرحلة هوياتية. لأنه البداية ،والبدايات تحدد النهايات كما يقولون. وعندما ننزع طفلا من ماضيه داخل الرحم ، فإننا نعتدي عليه ونخضعه لاختبار مؤلم سوف يقاسيه لوحده .ولذلك نرى أن لا شيء أفظع من التسبب في مأساة وجودية للطفل بهدف الرغبة فقط في تملكه .إنها قمة الصلف والأنانية وعدم الرضا بالواقع .خصوصا أن هذا الفراق السيكولوجي والهوياتي والوجداني مع المجرة الأولى،  يتم من خلال برمجة تفرض عليه أن يفارق أمه التي حملته وتجبره على تشييع كل ذكريات عالمه الأول.
وحتى إذا اجتزنا هذه الإشكالية التي تهدم جوهر التقنية، فإننا نواجه بمشكلة قانونية أخرى يصعب القفز عليها.ذلك أن الطبيب، الذي يباشر عملية الولادة، طبيعية كانت أو قيصرية ، يجد نفسه ملزما بان يحرر شهادة الميلاد باسم الأم التي ولدت طبقا لواقعة الولادة.وليس باسم الأم البيولوجية. أي باسم من رأى أن المولود الجديد قد خرج للدنيا من سبيلها التوالدي .
القرآن الكريم الذي جاء صالحا لكل زمان ومكان،  يدلي بدلوه في هذه المسألة من خلال الآية 2 من سورة المجادلة ” إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم”.هذه الآية تربط الأمومة بفعل الولادة.وبالتالي يكون من المستحيل أن يقبل الإسلام بتأجير الأرحام. لأن الأم هي من تلد. وفي هذه الحالة من تلد هي الأم المؤجرة،  وتلد طفلا من غير صلبها ، ويكون عليها أن تتخلى عنه.ولذلك حسم العلماء في عدم قبول مثل هذا العبث.ولكن كيف حصلت للعلماء المسلمين هذه القناعة.؟


رأي الشريعة الإسلامية

ليست الشريعة الإسلامية بمنأى عن هذا النقاش .فنحن نعيش في عالم معولم .وكثير من الأزواج المسلمين يعيشون ببلدان لا ترى مانعا من تأجير الأرحام. وربما قد يضطر البعض لممارسته تلبية لنداء الأبوة والأمومة.
في الحقيقة أن الاتجاه الغالب في الفقه الإسلامي يتجه نحو تحريم التقنية.حيث فرق العلماء بين وضعيتين.أن تكون الأم البديلة أجنبية عن الزوجين أو أن تكون زوجة أخرى للزوج في إطار التعدد.
في الحالة الأولى اعتبر الفقهاء انه لا يجوز إدخال نطفة رجل في رحم امرأة لا تربطه بها علاقة شرعية.هذا ما انتهى إليه المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي خلال الدورتين 7 و8.
لكن بعض العلماء حاولوا خرق هذا الإجماع من خلال إجازة التقنية بشروط أهمها أن يكون الزوجان مضطران، وان تكون الأم البديلة في صحة جيدة وغير متزوجة.
حيث تم الرجوع بالرضاع لتسعة أشهر، واعتبار الحمل كتغذية للجنين وقياسه على الرضاع وإحلال هذه الأم تبعا لذلك في مكان الأم المرضعة. وقد توسلوا لهذا الاجتهاد تحت يافطة أن الأصل في الأشياء الإباحة، وان الضرورات تبيح المحظورات.
لكن أغلبية الفقه ترد بان الأصل في الابضاع التحريم، وان هذه الطريقة تؤدي أيضا لخلط النسب.
والحقيقة أن الرحم ليس وعاء فقط بل هو يوفر الفضاء الذي يعيش فيه الجنين بدمه وهرموناته ومغذياته.وبالتالي يكسب الجنين صفات أخرى إلى جانب الصفات الموروثة عند انصهار نواتي البويضة والحيوان المنوي للزوجين.فلو قمنا مثلا بشطر بويضة ملقحة إلى نصفين وحصلنا منها على جنينين مماثلين أو على توأم صنوي، ثم وضعنا كل جنين في رحم امرأتين مختلفتين، فإنه من المؤكد أن التوأمين لن يكونا متطابقين، لان كل واحد منهما سيرث صفات مختلفة عن أمه البديلة.
لكن نفس المجمع الفقهي أجاز في الدورة السابعة اللجوء لرحم زوجة أخرى للزوج نفسه لاحتضان جنين ضرتها.شرط موافقة الزوجة الثانية، معتبرا أن الابن يكون في هذه الحالة يكون للزوج وزوجته العقيم. وانه لا ضير ان تحتضن زوجة لقيحة متأتية من زوجها ولو كانت مع زوجة أخرى .هكذا تكون الضرة إما بديلة وإما بالرضاع له وزوجة أبيه. لكن ووجه هذا الرأي بانتقادات كبيرة لان الأم البديلة وان كانت زوجة للزوج، إلا أنها تساهم في تحديد الهوية الوراثية للطفل رغم أنها ليست أمه في الجوهر، لان البويضة ليست لها.والنتيجة انه ليس ابنا خالصا لا لصاحبة البويضة ولا ضرتها .وبالتالي لا يمكن القطع في نسبه مائة بالمائة.وأمام هذه الشبهة عاد المجمع الفقهي في دورته 8 وحرم هذه التقنية بتاتا وفي كل الحالات وأنهى الأمر.
في رأينا ، لا  يمكن تصور رضاع دون تأثير من الأم في الطفل ولا أم بديلة تنزل منزل الأم المرضعة دون تأثير أيضا .وان العبرة تكون بجوهر الصفات الوراثية.وهذا المشكل يحل باعتبار الأم البديلة أما مرضعا.ويمكن ترتيب الآثار الشرعية المرافقة للرضاع على الابن والأم معا . لذلك إذا كان المجمع الفقهي قد أحسن الاجتهاد، إلا انه أخطأ في بلورة الحجة. فحجة التحريم هو أن الاعتداد يكون بواقعة الولادة التي هي سند الأمومة قانونا وشرعا رغم أنها ليست سندا بيولوجيا في هذه الحالة .مما يتطلب والحالة هذه تحريم هذه التقنية


ماذا تقول التشريعات الدولية ؟

سارت التشريعات الدولية بهذا الشأن في دروب شتى؛ منها من منع كفرنسا وألمانيا وايطاليا واسبانيا وسويسرا وكل الدول الإسلامية، وضمنها المغرب ؛ ومنها من أجاز ولكن من خلال تأطير قانوني كاليونان وبريطانيا ؛ ومنها من شدد واشترط  أو غض الطرف على ارض الواقع ،فكان في منازل بين منزلتي المنع والإباحة كبلجيكا وهولندا البلدان اللذان يتسامحان مع هذه الممارسة أو كندا والولايات المتحدة الأمريكية التي لها تشريعات جد خاصة في هذا المجال.
في فرنسا ، البلد الذي ننسج غالبا تشريعاتنا على منواله ، لازالت هذه التقنية إلى الآن ممنوعة .ولذلك هناك مئات الأزواج الفرنسيين الذين يبحثون في الدول المجاورة عن أم بديلة كل سنة.وهو الأمر الذي شكل مادة دسمة للعديد من الأعمال السينمائية الدرامية.ومرد التحريم بفرنسا أن هذه التقنية تعاكس مادة صارمة في القانون الفرنسي، وهي أن الأم هي التي تلد .كذلك فان المادة 12 من القانون الجنائي تجرم كل وساطة من اجل التبني بما في ذلك تأجير الرحم الذي تنظر له المادة كشكل من أشكال هذه الوساطة.وبينما ترخص فرنسا التبرع بالخلايا الجنسية و حتى بالأجنة فهي تعاقب على تأجير الرحم بثلاث سنوات وبغرامة 45 الف أورو .فالجسم ليس سلعة ولا يمكن أن يكون محلا لآي تأجير.ولازال القانون الفرنسي يرفض تسجيل الأبناء المنحدرين من هذه التقنية ولا يعتبرهم فرنسيين .وقد سبق لمحكمة النقض الفرنسية ان نقضت حكما قضى بتسجيل طفل فرنسي من أم بديلة من كاليفورنيا.لكن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان أدانت فرنسا بسبب هذا الحكم القضائي باعتباره انتهاكا للحياة الخاصة لهذه العينة من الأطفال.وهو ما حدا بالقضاء الفرنسي لمراجعة أحكامه سنة 2017 بهذا الخصوص والتماهي مع المحكمة الأوربية؛ وقد شجع على ذلك ان الحكومة على عهد ماكرون أعربت عن استعدادها للانفتاح أكثر في مجال تقنيات الإنجاب الاصطناعي .في ألمانيا يجرم تأجير الرحم من خلال التركيز على تجريم الوساطة و مضايقة عمل الأطباء . ولقطع الطريق اكثر وضع حاجز آخر يتمثل في تجريم حتى التبرع بالبويضة .وهكذا يعاقب الوسطاء بسنة إلى ثلاث سنوات بينما يعفى المعنيون بالأمر من العقاب،  بما في ذلك المرأة المؤجرة خاصة إذا ارتأت الاحتفاظ بالطفل.
في بلجيكا هناك تسامح مع تأجير الأرحام دون تأطير ذلك بقانون .وهكذا تفرض المستشفيات البلجيكية شروطا جرى بها العرف الطبي هناك منها أن الأم البديلة تكون متطوعة ولها علاقة صداقة أو قرابة بالأسرة وتكون أما قبل ذلك ،ويقل عمرها عن 40 سنة، و تزيد ان يكون تأجير الرحم هو الوسيلة الوحيدة للتمكن من الإنجاب. ويذهب الاجتهاد القضائي هناك إلى عدم اعتبار تقنية الأم البديلة منافية للنظام العام، وانه ليس هناك ما يمنع من تبني الطفل من طرف أبويه البيولوجيين أو الاجتماعيين .وتتيح هذه التقنية تسجيل الطفل باسم الأم التي لم تحمل منذ البداية ولا يحق للام البديلة أن تنازع في النسب إلا خلال اجل 6اشهر مع إثبات انه ينتمي لها بيولوجيا.
تتميز بريطانيا بكونها اعتمدت هذا القانون منذ مدة طويلة(1985). زيادة عن كونها تعتبر أن الأم البديلة هي الأم القانونية .ولا يتم تغيير الوضع النظامي للطفل إلا بتنازل من هذه الأم للأم البيولوجية، وذلك بعد مرور على الأقل 6 أسابيع ، وهي المدة الكافية لاستقرار الوجدان والنفس بعد الوضع فيكون قرار التخلي عن المولود الجديد قد تم في غاية الإدراك العقلي.لكن رغم الشروط الصارمة للشروع في هذه الممارسة، لا يوفر القانون البريطاني أية ضمانات للجميع. إذ بإمكان الأبوين ان ينكثا العقد ولو كانت الأم البديلة حاملا.ويمكن لهذه الأخيرة إنكار كل صلة لها بهذين الأبوين متى شاءت والاحتفاظ بالطفل رغما عنهما .
في الولايات المتحدة، ليس هناك قانون فيدرالي منظم حيث تلجأ كل ولاية لسن قانونها وفقا لاجتهاداتها؛  لحد الآن هناك 14 ولاية رخصت تأجير الأرحام خصوصا عندما يكون حملا خالصا أي لا علاقة للام البديلة بالأسرة أو بالجنين. وبينما تتيح مثلا كاليفورنيا ذلك، تمنعه ميشيغان وواشنطن .لكن مع هذه الاختلافات فكل من يولد بهذه الوسيلة يعد بشكل آلي طفلا أمريكيا.
بالنسبة للقانون المغربي ، لم يشر نهائيا لموضوع تأجير الأرحام لأنه يعتبر أن كل تقنيات الإنجاب المدعوم طبيا يجب أن تكون حصريا بين الزوجين .وبالتالي لا إمكانية لتأجير الرحم.

موقف الاجتهاد القضائي من تنازع الأم البديلة والبيولوجية للطفل


لعل هذه الإشكالية القانونية هي التي تجعل تقنين مثل هذه الطريقة في الإنجاب مستحيلا .إذ في حالة التنازع حول الطفل ذهب الاجتهاد القضائي،  ولا اعتقد أنه سيغير اجتهاده يوما ما ، إلى أحقية الأم البديلة بالطفل ن وذلك في جميع الدول التي أثيرث فيها نزاعات من هذا النوع، كألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية…الخ.وهو ما يهدم جوهر الغرض من استئجار الرحم.إذ دائما يظل الأمر رهينا بحسن نوايا الأطراف واستعدادها لتنفيذ الالتزامات خصوصا ان اغلب الدول تعتبر أن هذا النوع من العقود باطل من الجانب المدني بحيث انه لا يرتب أية التزامات قانونية ،واعتبره القانون الألماني لسنة1990 خاوي الوفاض من آية قوة ملزمة ، لان سبب الالتزام يظل غير مشروع بكل بساطة، كما يعد متعارضا مع النظام العام والآداب العامة .هذا البطلان هو ما نحت إليه وأقرته جل التشريعات المدنية في اغلب الدول كفرنسا وبلجيكا ..الخ .ولذلك عندما ترفض الأم البديلة تنفيذ العقد وتسليم الطفل، فإنه ينسب إليها أخذ بعين الاعتبار واقعة الحمل والوضع .
هذا الموقف يتناغم مع رؤية الشريعة الإسلامية للموضوع ولمفهوم الأمومة التي لا تتصور في القرآن الكريم مفصولة عن واقعة الحمل والولادة. فقد جاء في الذكر الحكيم ” ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن” ،وكذلك جاء فيه ” الله أخرجكم من بطون أمهاتكم
رغم أن هذا النوع من الإنجاب المساعد سهل من الناحية التقنية والطبية ، خصوصا لما يتم انتقاء الأم البديلة من خلال معايير صارمة، إلا أن تقنينه يظل أمرا مستحيلا ليس فقط في الدول الإسلامية التي تحسم فيها الشريعة هذا الموضوع ، ولكن حتى في دول الغرب التي لا يستطيع فيها الاحتهاد القضائي التخلص مز مأزق أن الأم البديلة هي من يضع ويحمل وبالتالي لامناص من الانضباط لهذه الواقعة .ناهيك عن المشاكل التشوهية التي تطرح والتي تختلف من حالة لأخرى .لنفترض أن الأم البديلة هي أم الزوجن  فهل هي جدة الطفل؟ أم أمه من الرضاع؟ أم أمه بكل بساطة؟ وهل هو أخ أبيه ؟وهل عماته وأعمامه إخوة له أيضا؟.
إن توسع مثل هذه التطبيقات والتفنن في انتقاء الأم البديلة يؤدي إلى تشوه الأسر والمجتمعات، والى ظهور تلفيقات عائلية من حيث القرابة على درجة كبيرة من الغرابة بحيث يستحيل توصيفها.( لكن بالمقابل أليست الغرابة هي خرق لما تعودناه وليست خرقا للأخلاق؟) .ثم لو افترضنا مثلا أن العلم تمكن من صنع رحم اصطناعي توضع فيه اللقيحة منذ اليوم الأول .وكان كل الحمل اصطناعيا ،فلن نجد بالتأكيد اصواتا فقهية او قانونية ترتفع للتنديد بهذه التقنية،  لأنه لن يكون هناك ادني شك في اختلاط النسب ولا تنازع حول مرجعية الطفل.ولهذا أليس لا أخلاقيا أن نعترف بتقنية عندما تكون آلية مائة في المائة، ونرفضها عندما تكون ذات بمسحة إنسانية وبحياة جنينية في رحم بشري .إننا بالتأكيد مقبلون على أسئلة وجودية شاهقة ما لم يتم وضع لجام للأبحاث يجعلها تبقى في فلك الإنسانية ولا تنجرف نحو التبضيع والتسليع وتشييئ الإنسان

البديل للأم البديلة  


أمام كل هذه المشاكل القانونية والأخلاقية والاجتماعية ، اتجه العلماء في الغرب الى البحث عن بديل للام البديلة يقفز فوق مسألة انه هي من تحمل وتلد عوض الأم البيولوجية التي تفتقد للرحم .ولذلك تم التفكير في زرع الرحم كحل يجعل الأم البيولوجية هي التي تكابد أعباء الحمل والولادة .الفكرة كانت تبدو نوعا من الخيال العلمي .وللمفارقة كانت أول عملية بجدة ، بلد الدكتورة صاحبة التدوينة قامت بها الطبيبة وفاء فاجي ، لكنها لم تكلل بالنجاح، تلتها أخرى بتركيا سنة 2011الى أن افلح فريق د ماط برانستروم بالسويد في إنجاب أول طفلة من رحم مزروع في أكتوبر 2014 .هناك ألان عبرالعالم ما يقارب 20 طفلا ولدوا بهذه الطريقة التي لا تطرح مشكلة لا من الناحية الدينية ولا الأخلاقية ولا القانونية لان الرحم ليس عضويا حيويا ومهمته الإنجاب ويمكن التبرع به سواء من امرأة حية او في حالة موت دماغي لامرأة محتاجة إليه ثم استىصاله من عند هذه الأخيرة بعد الإنجاب به، إلا أنها تظل عملية معقدة تحتاج لعدة ساعات ولتدريب وفريق من الجراحين كما انها مكلفة جدا تحتاج بنية استشفائية تحتية متطورة .
في انتظار ان تصبح هذه التقنية في متناول الجميع ،سيظل تأجير الأرحام مثيرا للجدل عبر العالم باعتباره طبا لإرضاء النزوات والرغبات الجامحة البعيدة عن العقل والتبصر الذي يرجح مستقبل الإنسان على أي طلب فردي غير مقبول.ولذلك فان هذه المدربة السعودية قد أخطأت المرمى؛ وفي رأينا هي إما تبحث عن الإثارة و”البوز”، أو انه قد شبه لها أنها قد تحسن صنعا بينما قد حادت عن الفطرة السليمة بإجماع الشرق والغرب هذه المرة. وتشبه بالرجل خصوصا عندما تقول أنها ستنجب من امرأة أخرى؛وبالتالي فان رأيها لا يستحق التعليق عليه إلا من باب التوضيح للأزواج حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود .

(+) بروفيسور بمستشفى الولادة السويسي

     

 

عن Scoopress

تحقق أيضا

سيدي قاسم: إغلاق القاعة المغطاة بعد إغلاق ملعب العقيد العلاّم؟؟؟

سكوبريس.ما لا حديث للجمهور الرياضي بمدينة سيدي قاسم، والمواطنين بصفة عامة ، إلا عن خبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Using cookies
هذا الموقع يستعمل الكوكيز من أجل استعمال أفضل. إذا استمرّيت بالتصفح فإنك توافق على قبول ملفات تعريف الارتباط المشار إليها، وقبول سياسة الكوكيز.