الرئيسية / ثقافية / نصرخ في الرباط بشعارات تُطَبّق في السويد؟؟!!

نصرخ في الرباط بشعارات تُطَبّق في السويد؟؟!!

 

د.إدريس أبو إدريس

من خلال قضية الإجهاض المطروحة الآن في أوساط الرأي العام المغربي،ولدى بعض “كتبة “وسائل التواصل الشعبي،طُرحت قضية الحريات الشخصية ،أو الحياة الخاصة للأفراد، والمتعلقة بجسدهم وسلوكاتهم ؟

لقد كتبنا مقالة بيّنا فيها أن الحريات المرتبطة بالحياة الخاصة تصطدم في المغرب بأشياء متعددة تحد منها وتجعلها مقيدة وخاضعة لها ومنها :

-القوانين المعمول بها في البلد ..

– الدين الإسلامي الذي يعتنقه كل المغاربة ،وهو الدين الرسمي للدولة ..

– العادات والتقاليد والأعراف التي يؤمن بها المجتمع المغربي .

– ثم وضعية التخلف الحضاري والعقلاني الذي تعيش عليه الأغلبية الساحقة من المغاربة ..

مظاهرة (سابقة) ضد حظر الإجهاض في …..بولونيا

كل هذه الأشياء تجعل عملية التغيير في هذا الباب شبه مستحيلة،إذا لم تتغير أشياء كثيرة داخل المجتمع،وعلى رأسها العقليات ،والمستوى الحضاري للمجتمع ..فلا يمكن بتاتا أن تأتي بقوانين مرتبطة بمجتمعات متحضرة ،وقطعت أشواطا كبرى في التقدم الإقتصادي والحضاري والعقلاني والإنساني،ثم نحاول زرعها واستنباتها في بيئة غير بيئتها،لأنه سيكون مصيرها هو الرفض المطلق ،وحتى وإن زرعت فمصيرها الموت …فالقوانين هي صورة تعكس وضعية مجتمع ما في سُلَّم التحضُّر والرقي،ثم تعكس معتقداته وعاداته وتقاليده وأعرافه …

الشابة التي ظهرت في وسائل التواصل،وهي تصرخ:”جسمي هو مِلْك لي، أنا حرة أفعل به ما أشاء “؟ تصرخ في الرباط بشعار يردّدونه ويطبقونه في السويد،أو الدنمارك أو ألمانيا،وحتى في هذه الدول، هناك قوانين وضوابط تحدّد كيفية أن يكون جسم الإنسان ملك له وحده ؟

 الحرية أصلا،دائما نسبية وليست مطلقة،لأن البشر يعيش داخل تجمعات،والتجمع البشري والإنساني يحد ،بطريقة أتوماتيكية، من الحرية الفردية ،ويجعلها محدودة ومحصورة ،خاصة عندما تمسّ حرية الآخر،أو تمسّ المجتمع ككل …

حرية التصرف في الجسد “لو طبقناها عندنا،لوجدنا في كل الشوارع والأزقة،وكل الأماكن العمومية والحدائق والشواطئ والمهرجانات المتنوعة،لوجدنا كل النساء ملتصقات مع الرجال،بغية تلبية رغبات جنسية بطريقة حيوانية…ولكان لزاما على الدولة أن تفتح عيادة في كل شارع لممارسة الإجهاض والتداوي من الأمراض المتنقلة جنسيا !! وبذلك ،سنرجع قرونا طويلة إلى الوراء ،حيث سادت الشعوب البدائية،والتي غلّبت الغرائز على العقل ،بل وسنرى أشياء لم يفعلها أي مخلوق على وجه الكون،وهي مخالفة لطبيعة خلق الكون،مثل التزاوج بين الرجال !!

– هل هذا ما تريدينه من دعوتك إلى تحرير جسدك؟ !

– أن نصبح أقل درجة من الحيوانات !!

– أقول لأصحاب مثل هذه الدعوات،ما قاله وكتبه  أحد الإخباريين المغاربة في مخطوط من القرن السادس عشر،عند انهزام البرتغال في معركة واد المخازن، ولم يبق في البرتغال الكثير من الرجال…فقال عمّن تبقى بتلك الأرض :”انقض رجالهم على نسائهم كالحمير بغية كثرة النسل ،نعلهم الله “؟ (البرتغاليون معذورون ،أرادوا كثرة النسل …ونحن آلاف الأطفال مرميين في الشوارع… !!)

ومن الأشياء التي ذكرتها – في مقالة سابقة- أن الناس الذين يشتغلون بعمل له ارتباط بالمجتمع وبالرأي العام وبالمصالح العامة،هؤلاء الناس تكون حريتهم الشخصية مقيّدة بضوابط ،إما قانونية أو أخلاقية…كما يكونون مراقبين من طرف المجتمع الذي يتتبع سيرتهم وأعمالهم ،وأقوالهم وأفعالهم… إضافة إلى القوانين،هناك أشياء تعوّد عليها الناس وتركزت في مخيالهم الشعبي،وأصبحت من عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم،ولا يمكن بتاتا أن تتغير بين عشية وضحاها،هذه الأشياء تكون في بعض الأحيان أشدّ وقعا وصرامة وقوة من القوانين الوضعية المنبثقة عن التحضر والتقدم الذي نعيش به ،ولم نساهم فيه…

يقول لينين (Lenine): “إن قوة العادات للملايين، والعشرات من الملايين، هي قوة خارقة “..

“La force de l’habitude de millions et de dizaines de millions est une force térrible “

هذه هي الأشياء التي حاولت توضيحها في مقالة سابقة،حين أشرت إلى قضية الإجهاض وعلاقته بالحريات الشخصية… لكن الآن أريد أن أتطرق إلى ما أراه الوجه الثاني للعملة؟

أول شيء أريد التطرق إليه،هو مشكلة القوانين في المغرب ومنه إلى السياسة، لأن السياسة هي التي تخلق القوانين والمراسيم وتفرضها عن طريق الحكومة والبرلمان ..

إنها إشكالية تثير الكثير من الاستغراب والهجانة،وذلك بسبب قوانين ومراسيم حكومية لاتطبق على الكل وبالطريقة الصحيحة والعادلة،ولهذا فهي تتميز ب:

1- بانتقائيتها،الإجهاض يُجَرِّمه القانون، ولكن هو موجود،والآلاف من النساء تلجأ له،وأغلبيتهن،وأغلبية الأطباء الذين يمارسونه لايطبق عليهم القانون؛ وأن الساهرين على تطبيق القانون يغضون الطرف ويتهاونون في تطبيقه،إما باللامبالاة،أو بالأشياء التي نعرفها جميعا :الرشوة/ المحسوبية/القبيلة/الحزبية…

– إجهضي وبسبب من الأسباب قد تدخلين السجن…

– إسكر ولكن لسبب من الأسباب قد تجد نفسك في السجن،بدعوى السكر العلني  ..

– مارسي الدعارة ولسبب من الأسباب قد تجدين نفسك في السجن مع عاهرات أخريات …وكل الفنادق المصنفة وغير المصنفة تتكسب من الدعارة،ولكن قد يختارونك أنت وأنتِ لتقضيا مدة في السجن بدعوى الفساد…

أشياء من غيرها كثير،معلق فيها القانون بين التطبيق وعدمه،بين الإباحة والتجريم والتحريم ..حتى أن  هذا الموقف الغامض في تطبيق القانون،يبدو وكأنه سياسة مغربية بامتياز،وهي التي عبّر عنها المثل المغربي الشعبي :”اطلع تاكل الكرموس،انزل شكون كالها ليك” !! يتركون الناس تطلع للشجرة لأكل الكرموس،ولكن متى أرادو إنزالك من الشجرة ، فإنهم يفعلون ذلك بسرعة وبدهاء كبير ،وأحيانا بدون رحمة ،فقد يسقطونك من أعلى شجرة الكرموس وتتكسر عظامك على الأرض،وباسم القانون !!!

2- قوانين ومراسيم حكومية قابلة لألف تأويل وفيها الكثير من الثغرات والغموض ،وأسلوبها ركيك،وفيها الكثير من الربط والفصل،وكل أخطاء النحو العربي،وقد نجد بنودا ونصوصا متعمد فيها الغموض، وعدم الوضوح فتبدو غير مفهومة وملتبسة …

والواضح من خلالها أنها ترجمة حرفية(ركيكة ومحرفة) من نصوص وتشريعات باللغة الفرنسية … وهذا ما يجعل النص التشريعي غامض ويفتح المجال للكثير من التأويلات والتفسيرات والإجتهادات،بل ويفتح المجال للقاضي أو الوكيل ليلعب كيفما شاء… ويظهر أن ذلك يتم بتواطؤ بين عناصر متعددة،منها المشرع والحاكم،والمحكوم هو الذي يذهب ضحية هذه الالتباسات والتأويلات ،خاصة إذا كان “ناشف”،يعني أنه لايستطيع تحويل اوراق النص إلى أوراق زرقاء كأجنحة اليمامة ، أو لأن”راسو قاسح” !!

ألم نسمع مرة أن قاضيا بمدينة مكناس تم تسجيله في سهرة ماجنة وهو يرقص على طاولة ويردد:”الفم اللي يكول عشرين عام يكول خمس سنين”؟ !!

هذا هو التأويل الواقعي للقوانين في المغرب …

لذا نجد قوانين ومراسيم حكومية متعددة ومتنوعة، كلها لاتزيد القضايا المطروحة أمامها إلا غموضا والتباسا وعدم فهم،أشياء تجعل المطبق يلعب بحرية وبدون حَكم،فيصبح”الطايح كثر من النايض “؟ ! هذا ما يجعل محاكمنا تعرف أحيانا  صراعا حادّا – في القضايا الكبرى ،أما الصغرى فالمحامي لايتكلم، وفي غالب الأحيان يتواطأ – بين هيأة الدفاع والقضاة حول القوانين وكيفية تأويلها وتفسيرها،وكيف تم التطبيق في حالات معينة أخرى مشابهة ،وهكذا عوض الدفاع عن التهمة،وشواهد الإثبات والتبرئة،يتخذ الدفاع منحى تصحيح ونقد القانون ،ونقد القاضي في كيفية التعامل معه …

لقد كتب مرة المحامي المشهور –قيد حياته- جاك فرغس(J.Vergès )،كتابا سماه :”La justice est un jeu”،وكتب في إحدى فقراته ما يلي:”من اللحظة التي يكون فيها القانون لاإنساني،يصبح القاضي مجرما ،والمنتفض ضده بطلا”..

“A partir du moment ou’ la loi est inhumaine ,le juge devient un crimenel et le révolté un héros”

إضافة إلى أن بعض القضاة يجعلون القوانين لاإنسانية ،فإنهم يجعلونها أيضا جامدة وبلا روح، الروح التي كتب عنها يوما المفكر الفرنسي مونتسكيو (Montesquieu )مجلده الذي ترجم إلى لغات متعددة ومنذ القرن الثامن ،والمسمى “روح القوانين “L’Esprit des lois(1750)….

3- قوانين ومراسيم غير مكتملة وناقصة وتترك وراءها استثناءات وفراغات، إما عمدا أو عن جهل .. وهذا ما يجعل منظمات المجتمع المدني والنقابات وجمعيات ومجالس حقوق الإنسان ،تناضل لسنين من أجل التصحيح،وإدراك الأخطاء بعد أن استفحلت … وعندما يتم التصحيح، تكون فئات من المجتمع قد أدّت الثمن غاليا..

يأتي التصجيح ويظهر بعد مدة أنه هو الآخر ترك أو أهمل أشياء كثيرة ،أو أنه ناقص وخاطئ أو مخالف للدستور،وأنه ينتصر لفئة على فئة،وأن مكاسب سابقة ضاعت بسببه،وأن طريقة تأويله وتفسيره ستظلم فئات متعددة ،سواء في العدل أو في قطاعات أخرى..

وهكذا يبدأ نضال آخر جديد من أجل التصحيح …وهكذا دواليك وإلى ما لانهاية !!

(قضينا عمرا في وزارة التعليم، وطبقت علينا قوانين ومراسيم متناقضة ومتضاربة فيما بينها ومغلوطة،ولم تحل مشكلة، ولم تصلح وضعا ،بل لا تزيد الأمور إلا تعقيدا وتأزيما…هذا وإلى يومنا هذا، سياسة ورثناها عن الاستعمار وعن اليوطي  !! )

نفس الشيء يقع في العدالة ،ومنها إلى الميدان السياسي،حيث نجد التقاتل داخل الأحزاب حول كيفية تطبيق قوانينها الداخلية والعامة،والزعيم دائما ما يلعب ويغير ويفسر لتتماشى مع مشيئته ،ونفس الشيء يصدق على البرلمان،مثل مجلس المستشارين الذي وجد المجلس الدستوري أشياء في قانونه الداخلي لاتتماشى مع الدستور وتناقضه،لذا رفض الموافقة عليه،وتم إرجاعه للتصحيح… ذلك أن المشرع ومن معه لايفعل ذلك بحسن نية أو عن جهل،وإنما ،وفي غالب الأحيان، عنوة وخدمة لمصالح معينة ،قد تخدم الرئيس ومقربيه …

– تكلمنا في مقالة سابقة عن الانفصام،هذا الانفصام هو الذي يؤدي إلى ظاهرة غريبة تعمّ المجتمع المغربي ،ألا وهي الإزدواجية في كل شيء ؟

– ازدواجية في الشخصية والخطاب( من يحرم ويجرم وفي نفس الوقت يبرئ ويحلل،معك وضدك حسب المصلحة والقرابة والقناعات،أو الأقنعة)؛

– ازدواجية في القوانين،وتطبيقها ،قوانين تجرم والواقع يترك الحبل على الغارب فلا تطبق ولا تنفذ .(نحكم بالإعدام ولا نطبقه،ونفس الشيء عن الإجهاض والدعارة…الإنتقاء جعل المغربي يهرب ويقول :”كيّت اللي جات فيه “.. !!،ونفس الشيء عن الفساد العام والرشوة،ونهب المال العام،لامتابعة ولا محاسبة،نحاكم سارق دجاجة،ولا نحاكم سارق الملايير !!

– ازدواجية سياسية،بين الملك من جهة والحكومة والمؤسسات من جهة ثانية؛ الملك يقول شيء والحكومة والمؤسسات تطبق أشياء أخرى،أو تتهاون في تحويل تعليماته وخطاباته إلى حقائق على أرض الواقع… !؟

– كما أن المغاربة هم الشعب الوحيد في العالم الذي يقول أفراده :”واحد الراس كيكولي سير ،واحد الراس كيكولي ماتمشيش “،واحد الراس كيكولي دير ،واحد الراس تيكولي ما ديرش” !!  (قاعدة يطبقها على كل شيء).

– ازدواجية بين القول والفعل، بين المكتوب والمطبق،بين الخطاب والواقع،بين القانون وكيفية تطبيقه…بمعنى أن كل شيء معلق في هذا المغرب،ومحكوم بعدم التنفيذ (en sursis ). ولا زلنا لم نحسم في الكثير من الأشياء في هذا المجتمع ،وهذا ما يجعل الكثير من الناس متشائمة،وترى مستقبل المغرب بالكثير من السواد والضبابية ،وعدم وضوح الرؤية ..

– ذلك لأننا لم نحسم في ثلاثة مفاهيم أساسية ظلت معلقة ويحيط بها الكثير من الغموض على صعيد الدولة والمجتمع، وهي : الإختيار – القرار- التنفيذ. ثلاثة مفاهيم أساسية تقابلها ثلاث عبارات انتهازية: الضبابية- الرخاوة- اللامبالاة .

وهكذا سنبقى في قاعة انتظار كبيرة اسمها المغرب،ننتظر الذي يأتي ولا يأتي ؟ !

– وفي الأخير،لازلت أتذكر ، منذ أن كنت طالبا،أني رأيت فيلما إيطاليا يحكي عن الصراعات السياسية وعن العدالة والمافيا والسجن، والرشوة والفساد، وذلك في سنوات السبعينيات بإيطاليا؟؟ هذا الفيلم الذي ترسخ في ذهني عنوانه وبشكل غريب،وغالبا ما كنت أردّده في مجامع مع أصدقائي  وزملائي،أردّده حتى أغلق به النقاشات الحادة،حول بعض المسائل، سواء السياسية ،أو المتعلقة بسلوكات اجتماعية معينة (مثل التبركيك والحضيان…)

العنوان يعبّر فعلا عن الوضعية التي عاشها الكثير من المغاربة في سنوات الرصاص وحتى ما بعدها ،وذهب ضحيتها الكثير من المظلومين بسبب القانون، والكثير من المراسيم الحكومية الظالمة والجائرة والتعسفية..في التطبيق والإنتقاء والتأويل المغرض في التفسير،ولحاجة في نفس يعقوب !!

– عنوان هذا الفيلم الإيطالي هو:”كلنا في حرية مؤقتة”.

” Nous sommes tous en libérté provisoire”

عن Scoopress

تحقق أيضا

سيدي قاسم: إغلاق القاعة المغطاة بعد إغلاق ملعب العقيد العلاّم؟؟؟

سكوبريس.ما لا حديث للجمهور الرياضي بمدينة سيدي قاسم، والمواطنين بصفة عامة ، إلا عن خبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Using cookies
هذا الموقع يستعمل الكوكيز من أجل استعمال أفضل. إذا استمرّيت بالتصفح فإنك توافق على قبول ملفات تعريف الارتباط المشار إليها، وقبول سياسة الكوكيز.