الرئيسية / ثقافية / أيُّ إدماج فعّال للتكنولوجيات الرقمية في التربية؟

أيُّ إدماج فعّال للتكنولوجيات الرقمية في التربية؟

عبد الواحد الأشهب

كيف يمكن إدماج التكنولوجيات الرقمية في التعليم؟ وماهي المهارات الأفقية التي يتطلبها هذا الإدماج من المدرس و من المتعلم؟. هما السؤالان الرئيسان اللذان يطرحهما هذا المقال.

اليوم ، أغلبية التلاميذ متمكنون جيدا من أداة الانترنت ، ويستعملون بشكل تلقائي المواقع الاجتماعية. وحاليا ، يعتبر التلاميذ الأدوات الرقمية  أساسية و معتادة،  وهي مندمجة بشكل جيد في حياتهم اليومية؛ ويتم هدا الإدماج، حسب الخبيرين البيداغوجيين إيفموران Yves Morin و رابيRaby، عندما تدعم التكنولوجيات المدرس في علاقته البيداغوجيا في مسلسل يمر من مراحل متعددة.

*ماذا يعني إدماج التكنولوجيات الرقمية في التعليم؟

هل يكفي بعث بعض الرسائل أو تقديم عرض بواسطة استعمال برنامج ”باوربوينت“،أو تنشيط صفحة فيسبوك، حتى يمكن اعتبار أن إدماج التكنولوجيات الرقمية تم بنجاح؟ ماهي المهارات الأفقية التي يتطلبها هذا الإدماج من المُدَرّْس و من المتعلم؟.

بالفعل يجد المدرسون أنفسهم، أكثر فأكثر، إزاء جيل يسمى ب “المولودين الرقميين بالفطرة”، حيث أن بعضهم يولدون وبأيديهم أجهزة نقالة، و لن يكونوا محفزين في فصول الدراسة أو يتعلمون أفضل وأكثر لمجرد أن يطلب منهم إنجاز بعض الأنشطة البيداغوجية بواسطة الحاسوب.

وهكذا، فإن إدماج التكنولوجيات الرقمية في القسم يمر حتما، بالنسبة للمدرس، بمسلسل من مراحل متعددة.

*التكنولوجيات الرقمية بالمدرسة: مسلسل تدريجي للإدماج

يقترح إيفمورانYves Morinفي إحدى مقالاته ،انطلاقا من تجربته الشخصية، نموذجا تجريبيا شاملا لإدماج التكنولوجيات الرقمية في القسم، متكونا من 6 مراحل متمايزة:

*المرحلة الأولى: المعرفة التكنولوجية

* المرحلة الثانية:التكنولوجيات الرقمية لفائدة الديداكتيك

* المرحلة الثالثة:التكنولوجيات الرقمية لفائدة الأداء داخل القسم

* المرحلة الرابعة:التكنولوجيات الرقمية من أجل التواصل

*المرحلة الخامسة:التكنولوجيات الرقمية من أجل التعاون

* المرحلة السادسة:التكنولوجيات الرقمية لفائدة  التعلم/ الإدماج

لقد ظهر العديد من الأبحاث الأكثر حسما لتؤيد النموذج التجريبي لموران. وهكذا يصف هذا المسلسل ، بشكل ثابت،كيفية تملك التكنولوجيات الرقمية، مع التأكيد على تطوير و تكوين المدرسين عبر مراحل تدريجية، من أجل تنمية استعمال متدرج مواز لتملكهم للتكنولوجيات و للإبداع في بيداغوجيتهم.

وهناك نموذج آخر لإدماج التكنولوجيات الرقمية بالقسم ، هو نموذج رابي   (Raby) الذي ظهر سنة 2004، القريب جدا من نموذج موران، و يقترح تطورا يمر بأربع مراحل نحو استعمال التكنولوجيات الرقمية ، عبر التحسيس و قصد الاستعمال البيداغوجي  للأدوات الرقمية:

  • المرحلة الأولى:التحسيس

  • المرحلة الثانية:الاستعمال الشخصي

  • المرحلة الثالثة:الاستعمال المهني

  • المرحلة الرابعة:الاستعمال البيداغوجي.

وحسب هدا النموذج،  فإ ن الإدماج الأمثل للأدوات الرقمية في القسم يتطلب بالضرورة تحفيز المدرس و إرادته الشخصية.

*التكنولوجيات الرقمية بالمدرسة..أكثر من مجرد” لعب”

في هذا الإطار،  وفي ضوء ما سلف ذكره، ماذا يعني، بشكل محسوس،”إدماج  التكنولوجيات الرقمية في البيداغوجيا لدى المدرسين”؟. إن هذا الإدماج أكثر تعقيدا من مجرد إدخال بعض الأدوات للقسم بدعوى الموضة أو للضرورة. فبالفعل الإدماج يتولد أكثر عن ترابط مفصلي بين المهارات التكنولوجية و الإطارات المفاهيمية المرتبطة  من جهة بالتكنولوجيات و بمفاهيم و مقاربات بسيكوبيداغوجية من جهة أخرى) بيرايا،لومبارد و بيطرانكور(.

ومع ذلك،  من الصعب بمكان أن نحث بشكل حاسم مدرسا على الإدماج الفعال للتكنولوجيات الرقمية في بيداغوجيته. ما بوسعنا فعله هو فقط التأكيد على أن المسلسل يبدأ حين يضع المدرس الأداة الرقمية بشكل فعال في خدمة عملية التعلم. وهكذا يكون إدماج التكنولوجيات الرقمية مفعلا عندما تتيح الأداة الجديدة للمدرسين القيام بأفضل مما يقومون به أو القيام بأشياء مغايرة، مع تحديد أن المقاربات يجب أن تكون ذات أهمية وثيقة على الصعيد البيداغوجي.

على مستوى الوقائع، نجد هناك مستويات مختلفة لاستعمال الأدوات البيداغوجية الرقمية من طرف المدرسين، إذ يتراوح هذا الاستعمال ما بين تعميم رقانة النصوص في إنجاز الفروض بالمنزل، و استعمال أداة رقمية لإنجاز عروض في القسم. ومع ذلك نستخلص أن التلاميذ يقومون أصلا من تلقاء أنفسهم باستعمال الأنترنت وتتابعية برامجية في أشغالهم بالقسم.

حاليا أغلبية التلاميذ متمكنون جيدا من أداة الأنترنت ، ويستعملون بشكل تلقائي المواقع الاجتماعية،كما يعتبر التلاميذ الأدوات الرقمية  أساسية و معتادة وهي مندمجة بشكل جيد في حياتهم اليومية.

إن إدماج التكنولوجيات الرقمية في البيداغوجيا لا يعني مطالبة الطلبة برقن أشغال على برنامج”وورد” أو بتقديم عرض شفوي على “باوربوينت”. إن إدماج التكنولوجيات الرقمية في القسم لا يعني بيان كيفية استعمال “باوربوينت” أو إلزام الطلبة باستعماله. إدماج التكنولوجيات الرقمية في البيداغوجيا، بالنسبة للمدرس، ليس هو نقل عروضه النظرية بالقسم على “باوربوينت”.

*نموذج لإدماج التكنولوجيات الرقمية في البيداغوجيا

بالاعتماد على نموذج موران يتم تجسيد إدماج التكنولوجيات الرقمية

عبر ثلاث مراحل:

في المرحلة الأولى يكون المدرس مطالبا بتحقيق تعلمه الشخصي للأدوات الرقمية. عليه أن يتلقى تكوينا او أن يقوم بتكوين ذاتي بهدف الاستعمال الشخصي )ننقل جيدا ما نحن متمكنون منه (. إن المعرفة بالأدوات، تعلم استخدامها، ضبط نطاق استعمالها والأهداف التي تتيح تحقيقها، كلها عناصر أساسية في أي مسلسل لإدماج التكنولوجيات الرقمية في القسم.

في المرحلة الثانية يتمكن المدرس من معاينة أهمية التكنولوجيات الرقمية كأداة لإتقان ديداكتيكه عبر أبحاث ووثائق لفائدة دروسه. يجب أن تستعمل الأداة الرقمية لتحسين الدروس ومضمونها.

وأخيرا تتجسد المرحلة الثالثة في الانتقال إلى التطبيق مع التلاميذ وفي طرح تعلمات تستخدم التكنولوجيات الرقمية من أجل تحفيز ما أمكن التلاميذ و اقتراح بيداغوجيا عملية وتحسين التعليم. وهذه المرحلة هي الأكثر صعوبة في الإنجاز وتتطلب تفكيرا استراتيجيا من قبل المدرس.

وللختم، يمكننا القول بان إدماج التكنولوجيات الرقمية  في القسم يبتدئ في اللحظة التي تدعم فيها التكنولوجيات المدرس في علاقته البيداغوجية، ويتموقع في أفق بناء معرفي عصري.

عن Scoopress

تحقق أيضا

ألاَ لا يجْهَلَنَّ أحد علينا…

عبد الرحيم التوراني مرّت ثلاثة عقود، بالتمام والكمال، على نعي التاريخ. نعي تاريخي صاغ سطوره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *