الرئيسية / دوليّة / الهند .. قنبلة التخلف أين منها القنبلة الذرية!؟

الهند .. قنبلة التخلف أين منها القنبلة الذرية!؟

بقلم .. عمر الطيبي

كنا نحن بعض من جيل الاستقلال، ونحن ما نزال  شبانا مقبلين على الحياة، منبهرين بثلة شخصيات سياسية من عالم القرن العشرين، من أمثال جمال عبد الناصر ،شي غيفارا ، فيديل كاسترو ،جوزيف بروز تيتو ، المهاتما غاندي وخلفه جواهر لال نهرو ، وبطبيعة الحال المهدي بن بركة .. وغيرهم.

ولعل مما كان يشدنا إلى هذه الشخصيات الأدوار الأساسية التي اضطلعت بها في قيادة شعوبها نحو الاستقلال عن الدول الاستعمارية، ثم إنخراطها في حركة تحررية عالمثالثية، هي حركة عدم الانحياز، وبالخصوص التزامها بنصرة القضايا العربية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية.

مسلمو الهند

لكن أمد الله في أعمارنا حتى اكتشفنا ،متأخرين، أن سنَا “كاريزما” هؤلاء القادة كان يحول بيننا وبين رؤية واضحة للأوضاع المزرية التي خلفوها لبلدانهم وشعوبهم على شكل نظم سياسية ديكتاتورية، وفساد شامل، وتفاوت طبقي صارخ، وفاقة وحرمان للأفراد والجماعات، وكلها آفات، لا يخفى ما أدت اليه، مجتمعة، من كوارث على مستوى بلدانهم لاحقا، جسّدها،على سبيل المثال لا الحصر، انفجار فيدرالية تيتو اليوغوسلافية على شكل كيانات متناحرة، خاضت حروبا أسفرت عن مئات الآلاف من الضحايا ،ودمارا شاملا على مستوى الحضارة والعمران، كما جسدها المآل البئيس لمصر عبد الناصر، على أيدي خلفائه العسكر، بدءاً من السادات، مرورا بمبارك، وانتهاء بالسيسي، وقس على ذلك.

الآ،ن وبعد مرور ازيد من سبعين سنة على استقلال هذه البلدان، فأنا لا أريد النبش في سير هؤلاء القادة (الكبار على كل حال) ولا تتبع المسارات التاريخية التي آلت إليها الدول التي خلفوها لشعوبهم، فالمجال هنا لا يتسع، ومثل هذا الموضوع بحاجة لبحث شامل، لكن ما حدث ويحدث في الهند، هند المهاتما غاندي، وجواهر لال نهرو، وحتى كريمته أنديرا غاندي، يثيرني حقا ..

مازال المجتمع الهندي كما كان أيام الاحتلال البريطاني، منقسما على نفسه انقساما حادا إلى طبقات أو فئات اجتماعية متنافرة ( des castes)،لعل من أبرزها طبقة النبلاء وطبقة المنبوذين (الأغلبية)، وهو انقسام يتقاطع مع تقاطب ديني لا يقل حدة وعنفا، بين أغلبية هندوسية مسيطرة، يصل تعدادها إلى نحو مليار نسمة، وأقلية مسلمة مُسَيْطَر عليها بالرغم من عددها الكبير الذي يزيد عن 200 مليون نسمة.

كانت هند رئيس الوزراء المتطرف القومي الهندوسي، ناريندا مودي، Narendra Modi،منهمكة في تطبيق بند عنصري جديد في قانون الجنسية، منسوخ من قانون الجنسية الصهيوني، إذ يتيح منح الجنسية للهندوس حتى ولو كانوا أجانب، ويحرم منها المسلمون حتى ولو كانوا من مواليد البلد، وذلك بهدف معلن، هو تقليص أعداد المسلمين ” الذين باتوا يشكلون، حسب  زعمهم، خطرا على أمن البلاد”.

خلّف هذا التشريع، كما هو معروف، ردود فعل قوية ليس من طرف المسلمين وحدهم بل أيضا من طرف الهندوس المتنورين، ولكن حركة الاحتجاج قوبلت بقمع شرس من طرف قوات الأمن الهندية وبمجازر طائفية خلفت ضحايا كثر في صفوف المسلمي،وخسائر مادية فادحة في مناطقهم، وممتلكاتهم، من دون حتى أدنى محاولة لإيجاد أرضية للتفاهم والمصالحة بين الأطراف المتصارعة.

في هذه الأثناء ،حلت كورونا “بجلال قدرها” بالديار الهندية كما حلت ببقية بلدان العالم، فأصابت أعدادا كبيرة من المواطنين، بدون تمييز لا في الدين ولا في العرق ولا في الانتماء الطائفي أو الطبقي، وقتلت منهم خلقا كثيرا، غير أنها كشفت في الوقت نفسه الغطاء عن مستنقع كبير من التخلف البنيوى المريع، اسمه المزور ” اكبر ديموقراطية في العالم”، تجلى في أوضح صوره في أسلوب تصدي المسؤولين الهنود المتخلف لمخاطر كوفيد 19.

هكذا شهد العالم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كيف تفرض قوات الأمن الهندية حالة الطوارىء والحجر الصحي من خلال جلد الناس جماعات وأفرادأ في الشارع العام، جلدا مبرحا إلى أن تُدْمى جلودهم وتتقرح، بلوعمدوا إلى محاصرة المسلمين في مساجدهم وجلدهم واحدا واحدا، رغم أن هؤلاء المساكين يظلون في غالب الأحيان مستسلمين مستكينين لسياط الجلادين، ملتمسين فقط أي فرصة تتاح لهم للإفلات بجلودهم.

أما فئات المنبوذين، هؤلاء البؤساء الذين يمثلون القاعدة العريضة للمجتمع الهندي، فقد خصتهم حكومة ناريندرا مودي بحفلات تطهير جماعي، إذ عمدت إلى حشدهم في الساحات العامة ورشهم بمواد تعقيم الشوارع، والمساكين مستسلمين لمصيرهم لا يهشون ولا ينشون.

من الواضح، إذن، أن المقاربة المتخلفة للمسؤولين الهنود لمحاربة الوبا، لن تجدي نفعا ،ولن تزيد الجائحة إلا رسوخا وانتشارا في أرجاء البلاد، لدرجة يمكن القول معها أن فتق كورونا قد كبر فعلا على جهد الراتق الهندوسي المتطرف؛، وإذا ما اضيف إلى ذلك اتساع مساحة البلد كقارة مترامية الأطراف ،وايضا عدد سكانها المهول الذي يفوق مليار و 200 مليون نسمة، يتبين حجم تفشي خطر هذا الوباء ليس على الهند وحدها ولكن على العالم كله.

أمام هذه الحالة يُخشى من خطورة التخلف الهندي على العالم اذا لم تبادر دول الجوار، ومنها الصين وباكستان وبغلاديش إلى تطويق خطر الوباء في الأراضي الهندية، أما إذا ما اختار ناريندرا مودي، المتحالف مع ترامب ونتانياهو، والطيور على أشكالها تقع، ممارسة سياسة الهروب إلى الأمام،فإن الخطورة ستصبح مضاعفة !!

عن Scoopress

تحقق أيضا

كورونا .. وربيع الغضب الغربي

أسماء علالي نتذكر ذلك الصباح الهادئء من ربيع 2011 الذي تفاجأنا فيه بانفجار أصوات الغضب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *