الرئيسية / إعلامية / صباح الخير ياوطني: إنَّا له رافضون

صباح الخير ياوطني: إنَّا له رافضون

 

حمادي الغاري

 

حين كنا صغارا ، في بداية ستينيات القرن العشرين، كنا نسمع من هم أكبر منا سنّاً يرددون ، بين الفينة والأخرى، أن فلانا “تْكُوفَنْ مسكين”. لم نكن نفهم أو ندرك معنى “تْكُوفَن”. قيل لنا أن الأمر يتعلق بمرض شخص أو حبسه أو وفاته؛ مما يعني أن الشخص المعني أصبح على الهامش..في خانة النسيان..

 بعد مرورر كل هذه السنوات والعُقُود، أصبح مصطلح العزل أو الحجر “confinement” يُذاع ويتردد على جميع الألسنة واللغات؛ وتراني أعود بذاكرتي إلى الوراء لأستحضر هذا المفهوم الذي عرَّبَه أباؤنا قبل أربعين سنة أو أكثر، بطريقة جد معبّرة وجد سهلة  وجد ذكية . لم يكن بإمكاني، وقتها، لصغر سنّي، أن أبحث في معنى هذا المفهوم ، أو حتى أسأل عنه. يكفي أن مصطلح “التْكوفِين” يدل دلالة قوية على المراد.

مع كثرة الحديث عن إجراءات العزل والحجر الصحي التي تقوم بها كل دول العالم اليوم ،بسبب جائحة “كورونا”، استحضرت، على التَّوِّ، مصطلح “التْكُوفين” المعرَّب من كلمة “confinement”، وأدركت قيمة هذا الاجتهاد من طرف آبائنا، أغلبهم لا يعرف حرفا لا في العربية فبالأحرى بالفرنسية . وقتها، كان يوجد في مدينتي الصغيرة كثير من الفرنسيين وبعض اليهود: أساتذة، أطباء ،مهندسون ،فلاحون كبار،تجار، رجال أعمال..كان التعامل معهم ضروريا بحكم الواقع ..وسأعرف فيما بعد أن العديد من الكلمات التي نستعملها في حياتنا اليومية ، هي في الأصل فرنسية تم تعريبها إلى اللهجة الدّارجة، مثل :”طْروطوار”، “تراكتور”، “الْبُوسْطَة، “الماشِينَة”،”الْفِيرْمة”،”الكُوليج واللِّيسِي”، “السْتِيلُو”، “كْرايون”،اللِّيفْر”، “الباسبُور”،الفيزا”، “بَرْمَسْيُون”،”الْفَرْمَسْيان”،”التِّيرَان”، “الطَّابْلَة”،”الشُّورْت”،”السْبَرْدِيلَة”، و…و…لم يكن آباؤنا في حاجة لمترجم .كانوا يتدبرون أمورهم بأنفسهم..

ها نحن اليوم وصلنا إلى الإنسان”لَمْكُوفن” فعلا. إنه التعبير الجامع المانع لإنسان القرن الحادي والعشرين الذي ابْتُلِيَ بجائحة لا يعرف من أين أتت ولا من أين نزلت أو صعدت..يعيش كل يوم وكل لحظة بين الخوف والترقّب والتوجُّس والتوَهُّم، وانتظار ما يأتي أو لا يأتي. وبقدر ما أصبح قريبا من نفسه بقدر ما هو بعيد عنها ؛ يعيش لحظته ولا يعرف ماذا سيقع بعد اللحظة الموالية ؛ يعيش على إيقاع عدد الإصابات وعدد الوفيات بالفيروس الفتاك .. وعدد المخالفين لحالة الطوارئ الصحية. وفي غمرة هذا “التْكُوفين” لم يعد بقدرته، وهو الإنسان المتكبّر، المتغطرس، المُستعلي، المتكبِّر.. أن يقوم بزيارة حتى لأقرب أقربائه!! 

في هذه اللحظات العصيبة ،لا يجد إنسان القرن الحادي والعشرين، المختلف كُلِّيَةً عمّا سبقه من الأنام، عزاؤه إلا في الهاتف النقّال أو الجوّال، وفي وسائل وشبكات التواصل الاجتماعية، من فايسبوك وتويتر..يغرّد فيهما ومن خلالهما كيفما شاء ومتى شاء ..لكن حكومتنا، التي لا تُوقِّر نفسها، أرادت شيئا آخر. أبت، كعادتها، إلا أن تسير وتسْبَح ضد التيار بأسلوب “تْكُوفْين” آخر يتمثل في تكميم الأفواه والأفكار،بعد تكميم الوجه بكمَّامات أصبحت مصانعنا، ولله الحمد ، تنتج الملايين منها يوميا، وتصدّر الباقي لغيرها من حكومات بلدان أخرى. تكميم يتمثّل في حبس الأنفاس والأفكار من التلاقح والتبادل بين عباد الله عبر شبكات التواصل ، وحبْس كل من تسوّل له نفسه استخدام هذه الوسائل في إبداء الرأي عن موقف أو منتوج ولو كان يتعلق ب”الْمَسْكة“.

اللاّفت للانتباه أن الحكومة، التي تتجرأ على قول هذا والاستعداد لجعله قانونا ، زجريا، رادعا، لم تستطع أن تقنع أعضاءها بفعاليته ونجاعته وحتمية إخراجه من حالة كُمُون إلى خالة وجود بعد تمريره في البرلمان ،بغرفتيه العليا والسفلى ؛ بل تفضح نفسها بنفسها حين تقول أن مشروع القانون بين أيدي لجنة تقنية وأخرى وزارية للنظر فيه، ويقول آخر من صفوفها أنه تم البتّ فيه، بمعنى أن الطريق معبَّدَة ليمر إلى البرلمان، ومن تمّ تمريره ليصبح قانونا كامل الأوصاف في الزجر والقمع والحبس ..

ماذا تريد الحكومة من هذا البلد وهذا الشعب في هذا الوقت بالذات التي لولا مبادرات وتدبير وحكمة الملك، لكانت الحكومة،التي لا توقّر نفسها، في خبر كان ؟ أليست هي التي قدّرت وقررت ، قبل أيام قليلة، فرض حظر على الصحفيين المهنيين مما يُسمّى ب”التنقل الليلي في رمضان”، رغم أن هؤلاء الصحفيين، مهنيون وحاملون لبطاقة الصحافة المهنية؟

ألا تعرف هذه الحكومة أن مِن هؤلاء الصحفيين، الذين تُقرر منعهم من ممارسة مهامهم، بجَرَّة قلم، مَن يشتغل في الصحافة قبل ظهور العثماني والرميد ولفتيت…؟ ومنهم من يستحق التقدير الكبير، والاحترام الأكبر، والعناية الأعظم، والتبجيل المعظّم ..لو كانوا في حكومة توقّر نفسها ؟ ما هذا الإمعان في إذلال الصحفيين حين تقرر الحكومة، التي لا توقّر نفسها، من خلال وزارة الداخلية، إلزام الصحفيين بضرورة طلب ترخيص من الولايات أو العمالات ، لكي يتم السماح لهم بمزاولة مهامهم الإعلامية بعد تقديم معلومات عن حياتهم وأصلهم وفصلهم…؟

لم يحدث هذا حتى فيما سُمِّيَ وقتها ب”أُمِّ الوزارات” في عهد الوزير القوي ادريس البصري، الذي تفتّقت عبقريته، وارتأى ضمّ الإعلام للداخلية في وزارة واحدة، “ومْرِيضْنا ما عَنْدُو باس”. وتم الضّمّ ،لكن المريض ازداد بأسه وعلّته. والنتيجة كانت سلبية على أكثر من مستوى .

سي العثماني .. سي لفتيت …السادة أعضاء الحكومة :

الصحافة لا يمكن أن تكون  وتحيى وتتألّق بدون حرية. والحرية لا معنى لها بدون صحافة حرة؛ ولا حدوى لدولة إنْ لم تكن تتوفر على صحافة قوية ـ وليس خنوعة ـ تخدم البلاد والعباد ؛  والصحفيون هم أدرى بمعانى وأبعاد الحرية ..والصحافة إمّا أن تكون أو لا تكون.

إذا كان التكميم ضروريا لاتّقاء شر فيروس كورونا، من خلال وضْع كمامة واقية، فذاك إجراء مؤقت ، أما تكميم حرية الرأي والتعبير، فليس ضروريا ولا صحِّيا،بل مرفوضا ومنبوذا . وإنّا له رافضون.

عن Scoopress

تحقق أيضا

كورونا .. وربيع الغضب الغربي

أسماء علالي نتذكر ذلك الصباح الهادئء من ربيع 2011 الذي تفاجأنا فيه بانفجار أصوات الغضب …

تعليق

  1. جريدة الكترونية هادفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *