الرئيسية / ثقافية / على هامش اليوم الوطني للمسرح :اللقاء الملكي التاريخي مع نخبة من رجال المسرح (الحلقة3 والأخيرة)

على هامش اليوم الوطني للمسرح :اللقاء الملكي التاريخي مع نخبة من رجال المسرح (الحلقة3 والأخيرة)

 

لقاء الملك الحسن الثاني مع نخبة من رجالات المسرح المغربي (مارس1991)

إدريس الإدريسي ـ مخرج

كنّا قد أخبرنا أن موعدنا مع جلالة الملك الراحل الحسن الثاني، سيكون في الساعة التاسعة ليلا . لكن كنت أقول في نفسي أنه من الأكيد أننا سننتظر قليلا أو كثيرا . ظل أغلبنا واقفا وكان هذا في صالحي ،فقد كانت أولى نوبات آلام الظهر قد ألمت بي لكي لا تفارقني إلى الآن ، وكنت أخاف ألا أقوى على الوقوف إن أنا أطلت الجلوس .

 وقبل أن يرتشف كل منا كأس الشاي أو القهوة الذي بيده ، دخل علينا من يدعونا للإسراع نحو الديوان الملكي ؛ فقد أزف أوان اللقاء المرتقب ، وشرعت دقات القلوب تتصاعد وثيرتها ، نادى ادريس البصري ،بصوت عال، على البدوي والصديقي ،وانخرط معهما في حوار جانبي قصير.

سرنا لمسافة قريبة جدا عبر ممرات داخلية وأخرى خارجية ، وكانت روائح ” عود القماري ” تملأ الفضاء ، حينها اقترب عبد الواحد عوزري من البدوي واستفسره عما دار بينه وبين البصري ، فأخبره أنه طلب منه ومن الصديقي ألا يتدخلا وأن يتركا الملك الحسن الثاني يقول ما يريد، ولما سأله عوزري هل سينفذ التعليمات، قال البدوي بالحرف :  “يمشي يلعب البصري غادي نقولو دكشي لخاصو يتقال “

وتعالى إلى سمعنا ذلك الصوت الذي ألفنا سماعه على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة في كل النشاطات الملكية، والذي يصدح به ” المخازنية ” وهم يرددون :” الله يبارك فعمر سيدي “. وصلنا بابا كبيرا كان يقف قبالته ” الحاج المديوري” رفقة بعض الحرس ، ومخزني شاب فارع الطول ،قوي البنية ، بلباسه التقليدي الجميل ، تقدمنا نحو الباب فظهر لي جلالة الملك الحسن الثاني وهو ينتظرنا واقفا بباب الديوان الملكي من الداخل بلباسه الأنيق المعهود ، والذي لم يكن أحد من قادة العالم يعلو عليه في رقي وسمو ذوقه ، وكانت تعلو محياه ابتسامة  كبيرة ،  وقد كان ظاهرا أنه منشرح جدا .

لا أذكر جيدا وفق أي ترتيب تقدمنا للسلام علىه، لكني اتذكر أنه  قال لإدريس البصري ومحمد بن عيسى :  ” إيوا قدمُ لِي وليداتي ” ، فشرع محمد بن عيسى في تقديمنا الواحد تلو الآخر ، قبلت يده وهو يربت علي كتفي ويقول لي :”تبارك الله عليك اولدي “. ومرة أخرى سيكون هندام الحسين الشعبي موضوعا حتى في حضرة الملك، فقد قال الحسن الثاني للشعبي وهو يسلم عليه :” انت لي كنتي لابس كبُّوط أخضر فالبرنامج “؛ وهي إشارة منه رحمه الله إلى أنه لا يهتم بالمظاهر. دخل الجميع وقبل أن نتوجه نحو المائدة المستديرة التي تحتضن مجالس الوزراء ، التفت الحسن الثاني  إلى الحاج المديوري والحرس وقال لهم :” كلشي يخرج خلِّيوْني وحدي هادُو غير وليداتي “. انسحب الجميع وبقي فقط المصورون وطاقم التلفزة الذين سيؤرخون بالصوت والصورة لهذه اللحظة الخالدة . شرع كل منا في أخد مكانه وكنا أنا  والراحل مولاي أحمد العلوي نسير خلف جلالة الملك الراحل الذي استدار نحونا بشكل مفاجئ وهو يقول لمولاي احمد العلوي : “أمولاي احمد ! ماشي ديما الوزير يجلس حدايا ، سير لهيه “. تراجع مولاي احمد إلى الخلف وكنت أنا من ستسوقه الأقدار للجلوس إلى جانب الملك الراحل ، لكن ماحدث كان أمرا غريبا ، لقد أحسست وكأن زلزالا أقلعني من مكاني، ووجدت نفسي قد تراجعت خطوتين إلى الوراء. إنه الحكيم بن سينا، الرئيس الأبدي للجامعة الوطنية لمسرح الهواة ، وأحد حراس العهد القديم وواحد من مهندسي مسلسل إقبار تجربة مسرح الهواة بالمغرب . انقض بسرعة البرق على الكرسي المحاذي للحسن الثاني ، فيما رجعت أنا إلي آخر الصف إلى جانب محمد بن عيسى كما هو ظاهر في الصورة.

سألنا جلالة الملك الراحل والخدم  يضعون  قهوة أمامه :”تهلاَّوْ فيكم ،شْرَبْتُو شي حاجة “.

طبعا الكل كان يشير برأسه بالإيجاب ، ثم بدأ كلامه بإخبارنا بأنه تابع الملف و استغرب بأن قطاع التمثيل بالمغرب  لا يحظى بالدعم الكافي،والتفت إلى البدوي مبتسما :” ياك السِّي البدوي مَقَصَرْتيش من جهدك كلشي قلتيه”

تدخّل البدوي ليقول كلاما من وحي اللحظة لقي استغراب الجميع؛ فقد قال لجلالة الملك الراحل :

“لقد كنّا خلال المهرجان الذي ننظمه بإفران، كلما استعملنا مكبرات الصوت يحضر المقدمين ويطلبون منا إزالتها لأننا نزعج سيدنا ، ثم يرجعون ويقولون لنا أن لا بأس في ذلك “

فرد الملك الراحل بابتسامة :”إِيوَا سي البدوي إِلا زعجتوني انتُما هي غادي يزعجني حتى الآذان ” .وبدأ يسرد الأفكار التي تناولها الملف ، وقد دوّنها في جذاذات صغيرة من ورق أزرق وضعها أمامه ،وهو مايؤكد أنه تتبع البرنامج باهتمام .

تحدث عن دعم الدولة وعن دور الجهات وعن القاعات المسرحية ، حينها تناول الصديقي الكلمة، وقال بأن المغرب عرف بناء العديد من القاعات المسرحية المجهزة تجهيزا كاملا ، وأن الظروف أصبحت مواتية أمام الفرق . (أفتح قوسا هنا لأذكِّر بان تلك المرحلة كانت جماعات البيضاء قد شرعت في بناء مجموعة من المركبات منها ما كان جاهزا _ مركب المعاريف – مركب سيدي بليوط – مولاي رشيد .. ) .

استأذن عبد الواحد عوزري وخالف رأي الصديقي ،وقال أن القاعات غير كافية وغير مجهزة بالشكل اللائق.

تناول الملك الراحل الكلمة وقال أنه متفهم لكل ما قيل، وأنه سيولي كل العناية لقطاع التمثيل، وقد عبر عن ذلك بكلمة لازالت راسخة في ذهني :”غير تهنَّاوْ غادي نعطيكم خبيزة بخميرتها “. وهنا سيظهر جليا أن الاستقبال الملكي  لم يكن فقط لقاء مجاملة بروتوكولية ، بل كان لقاء مفكرا فيه من طرف جلالة الملك ، وأنه أراد له أن يكون لحظة فارقة في تعاطي الدولة مع المسرح .شرع الملك الراحل في عرض مخططه التاريخي والجري ء والمتكون من خمس نقط وهي :

– تخصيص 1% من ميزانية الجماعات المحلية لدعم المسرح ؛

– بناء قاعتين للمسرح في كل جهة ، وأصر ألا تكون هاته القاعات كبيرة  جدا ، حتى تكون فعالة ،واستدل على ذلك بمسرح محمد الخامس والذي قال بشأنه :” أم كلثوم إلى جات دبا لمسرح محمد الخامس متعمروش “. هذا كلام ملك كان أقرب إلى تفاصيل حياة مجتمعه وشعبه مما كنّا نتصور .

– تأسيس فرقتين جهويتين في كل جهة ؛

– تأسيس مدرستين للتكوين في كل جهة ؛

-ألا يبقى ممثل مغربي يعيش الفاقة والحاجة ؛

أترك لكم التحليل والتعليق  إلى ماكانت ستؤول إليه الأمور لو تحقق هذا المشروع الكبير .

تدخل هنا عوزري وَقَال للحسن الثاني ، بأن المسرحيين مع وزارة الشؤون الثقافية بصدد تحضير قانون للمهن المسرحية ، وهل يمكن أن يستمروا في بلورته ، هنا سأل الحسن الثاني عوزري :

” شحال فعمرك اولدي ؟؟؟ “

أجاب الصديقي :

” 39 عام نعاماس “

فأردف الحسن الثاني مخاطبا عوزري :

” لما دير 40 عام غادي تفهم علاش مهم هادشي انا لنديرو” وأوضح أنه من مصلحة المسرحيين أن يقوم بهذه الإصلاحات بنفسه كأعلى سلطة وكمشرع، وأنهى كلامه بقوله: “راه إلى خَلِّيتكم للبرلمان غادي غير يَبْقَاوْ يلعبو بيكم ومَتَدِّيوْ والُو ” .

وحتى يترجم مسألة تخصيص 1% من ميزانية الجماعات المحلية  لدعم المسرح ،بدأ الحسن الثاني في وضع أسئلة على ادريس البصري حول ميزانية الجماعات المحلية. وبدأ بالسؤال عن ميزانية مراكش، وكان  البصري يتصفح الملفين المعلومين، الأخضر والأحمر، ليجيب بالأرقام، ثم سأل الحسن الثاني عن ميزانية فاس ومكناس، وشرع الجميع يقوم بعمليات حسابية ، ونوقشت مسألة التفاوت في الإمكانات بين الجهاة والجماعات . لحظات تفكير بصوت مرتفع ، جعلت الجميع مقتنع بأن الأمر محتاج إلى تفكير وتمحيص .

في ختام اللقاء، الذي دام 25 دقيقة ، طلب من الحاضرين الإجتماع في إطار مجموعة عمل ودراسة كل المقترحات وتهييئ مشروع متكامل في مدة لا تتعدى شهرا .

إنفض اللقاء وودعنا جلالة الملك بنفس التلقائية والعفوية التي استقبلنا بها ، سلمه عوزري ملفا خاصا بالمسرحية التي كان بصدد الاشتغال عليها وهي مسرحية ” النمرود فهوليود ”  ثم غادرنا القصر الملكي منتشين فرحين مستبشرين ؛ وربما كنت الكاسب الأكبر لأَنِّي الأصغر سنا ،ولأنه لم تكن لي مصالح مباشرة ، ولكوني بصمت على إنجاز تاريخي غير مسبوق ولا ملحوق في تاريخ المسرح والإعلام بالمغرب .

عن Scoopress

تحقق أيضا

كورونا .. وربيع الغضب الغربي

أسماء علالي نتذكر ذلك الصباح الهادئء من ربيع 2011 الذي تفاجأنا فيه بانفجار أصوات الغضب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *