الرئيسية / ثقافية / الجُوع لا يُطَاع ولا يُطاوع المَمْنُوع

الجُوع لا يُطَاع ولا يُطاوع المَمْنُوع

مصطفى منيغ

مِنَ الصَّعْبِ على الإعلامي الاحتفاظ بالحقيقة دون إبلاغها للآخرين ، والأصعب لديه العثور على أنسب وسائل التعبير  ليكون التبليغ مطابقاً لما تفرضه بعض القوانين ، داخل دول لم تتعامل بمبادلة جل المعلومات الصحيحة على نطاق واسع لأسباب تتعلق (كما ترى) بأمنها القومي خِلاف مواطنيها أجمعين، حتى وإن كانت الديموقراطية ركيزتها الأساس في الحكم ، ولا تكف عن ترديد شعارات الشفافة كقاعدة الوصول للحقائق كما هي  لكل المُهتَمِّين ، وما الحقيقة غير وَقْعٍ بصِنْفِهِ، تَمَّ بمكانٍ محدَّدٍ وزمنٍ معيًَّن ، في الاجابة عن كيف وَقَعَ ولِمَا وَقَعَ ؛ تَكْمن الخُطوة الأولى المتبوعة بالتوَسُّعِ متى أُضيف لها اجتهاد مقارنَة الدلائل المادية المتوفرة لمعرفة مخلَّفات الواقع وأبعاده، ليُقَدَّم الحاصل تقريراً مُفصلاً لما يلحقه من إجراءات متَّخَذَة حسب المجال المتعلِّق مباشرة بالواقعة ككل .

عين تائهة..يد ملَوِّحَة..وفم مكموم..والعقل…؟

هذا بشكل عام، أما الخاص فَيَلِج تلك الحقيقة المعقَّدة التفاصيل المتبوعة بخطورة الحصول عليها، لأهمية ما يترتب عن ذلك من اتخاذ اجراءات تحاول أي دولة تنفيذها ،وصولاً لتحقيق أهداف غير مُعلنة كفيلة بتوفير انتصار يؤهلها  لبَسْطِ سيطرتها على دولة أخرى أكانت عدوة أو حليفة. لا يهم .

الحَقُّ غير الحقيقة، إذ الأول ثابت والثانية متحرٍّكة، مُبْتَدِئَة على قياس مُتمدِّد وفق الحاجة المضبوطة على منفعة عامة مُؤَكَّدَة ، ومنتهية إلى موضوع مُتَّخذ ما يقابله من ايضاحات تقنع العقول المدبِّرة ،وبالتالي كل الفصول القانونية الملازمة لجعل الحُكْم مُمْكِناً آخِر المطاف.

الحقيقة التي نعنيها  مُرَّة، وأمرّ منها ما تحتضنه مِن معلومات كَدَّسَهَا الحذر الجاعل المُطَّلِع المباشر عليها منزعجاً من تفشِّى وَقْعَها السلبي، وهو المُتحَمِّل مسؤولية الآخرين، المحافظ (كجزء من مهامه) على مستوى مُعيَّن مِن معرفتهم للأمور ليظلُّوا متماسكين بواقع يعاكس ما يرون فيه من إيجابيات جملة وتفصيلا ؛ ومَن خرج عن الوضعية لا يُدْرِكُ معنى الانفلات الأمنى إن حَصَلَ ، ولا خطورة مخلَّفاته ، الألْعَن على الاستقرار ، حتى وإن كان قائماً على الهَشِّ المُهَدَّدِ بتفاقم حالات ضاغطة تُعَجِّلُ ببشاعة فتنة تتداخل في عمقها مواقف حق بتصرفات باطل ، لتكون الحصيلة البدء من جديد لمقاومة الفقر والجهل والمرض ، فَيُعاد الدوران مع نفس الدائرة ،حيث تُطمَس انجازات مراحل لتَظْهَرَ أخرى متذبذبة، تَفْرِض التضحية على جَيْلٍ يُكْتَب عليه شقاء التفكير في حصيلة مَاضِي لا يُشَرِّف المستقبل المنشود في شيء. بلاد متورطة أصبحت ،بكثرة ما حافظت عليه من أسرار، وإن كان مجملها لم يعد موازيا لمصالحها العامة ومهما ، اتجه التدبير للتخلُّص من ثقل فحواها بانعكاس الفاعل على المفعول مُفرزاً وضعية لا تُحمد عقباها .

…العبرة آخِذة بنَاصِية مَن طَوَّع الحقيقة على قضاء مآرب العامة ، وليس الإكتفاء بتمرير منفعة ذاتية (مؤهلة لفعل ذلك) في غياب سياسة الانفتاح على حقوق الأغلبية الواعية المُدركة أن الإتحاد على أَمْرٍ صالِحٍ للتداول العمومي، كفيل بكَسْرِ عوامل الاحتكار، وانطلاق صائب لضمان مستقبل قابل للتجديد، بانضباط أكثر صرامة  تتخلَّله اختيارات مُمكنة التطبيق ، لجعل الرغبات الأكثر موضوعية تتحقق بسلاسة، طلائعها الحرية المسؤولة، والعدل محور التوازنات القائمة، والاستقرار الحليف الدائم للسلام .

“الفيروس” المُسيطر على اهتمام البشرية عَبْرَ الجهات الجغرافية من شمال وجنوب وشرق وغرب ، (كورونا المُستجد)، فجَّر جزءاً من الحقيقة ،وما بَقِي مجرَّدَ تَرقُّبٍ ظرفي لما ستؤول إليه وضعيات تَتَبايَن في شأنها مناطق موزعة على اربع مستويات : الغنية المُتزعِّمة  ،المتوسطة المتقدِّمة ،الضعيفة السائرة على طريق النمو، والفقيرة المتأخِّرة عن الركب بمراحل ؛ المُوَحَّدَة كلها على عامِلٍ بَشَرِيٍّ مُعَرَّضٍ ،أينما تواجد بينها ،لمخاطر الوباء، من الاصابة إلى الوفاة مروراً بالشفاء إن كانت في عمره بقية ، من الحقيقة المفجر رُبعها عجز دول بعينها عن مقاومة الوباء كما يجب بما يجب رغم ما ملكته، لعقود، من امكانات هائلة جعلت الكل يتوهم أنها بعيدة ستكون عن الخصاص مهما اشتدَّت بها الكوارت الطبيعية ،وحاصرتها النوازل من كل صوب . لكن الوَهْمَ تَحوَّلَ ،في قِصَرِ وَقْتٍ، إلى ذُهولٍ أَعادَ الترتيب في المقامات الدولية إلى مرحلة الصفر، مع التأكيد أن التَقدُّمَ بالمفهوم، ما قبل اجتياح “كورونا” ،فَقَدَ معناه الكلاسيكي لِغَيْرِهِ جديد وَاقِع بين كَفَّتَيِّ كَمَّاشَةِ الواقع الفاقد حِسّ معايير الزيادة ،والنقصان عند وَضْعِ المُستَحَقّ في موقِعِهِ الأَحَق .

عن Scoopress

تحقق أيضا

كورونا .. وربيع الغضب الغربي

أسماء علالي نتذكر ذلك الصباح الهادئء من ربيع 2011 الذي تفاجأنا فيه بانفجار أصوات الغضب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *