الرئيسية / ثقافية / قراءة في “السياسة الثقافية في المغرب الراهن”: غياب الثقافة أم ثقافة الغياب…؟

قراءة في “السياسة الثقافية في المغرب الراهن”: غياب الثقافة أم ثقافة الغياب…؟

 

 

الطاهر الطويل

 

بعد نصف قرن من استقلال المغرب، ما زالت الثقافة غائبة باستثناء جهود محدودة للمثقفين.

يبدو محمد أديب السلاوي في مجمل مؤلفاته مسكونا بهاجس الإصلاح وبهموم الناس، وبالطموح نحو رؤية وطنه يرتقي الدرجات نحو وضع أفضل في شتى المناحي الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية… هذا الكاتب المغربي لا يركب النظريات والأحلام أو “اليوتوبيات”، ولا يعتكف في برج عاجي كما يفعل الكثير من المثقفين؛ بل إنه يمد جسورا رفيعة نحو الواقع المعيش، فينطق بلسان “الأغلبية الصامتة”، ويحلل الواقع بعين الناقد والإعلامي والكاتب، كاشفا عن مكامن الخلل والقصور والفساد؛ مما يجوز لنا أن نطلق على أديبنا  وصف “غرامشي”: “المثقف العضوي”.

على هذا النهج نفسه، نسج السلاوي كتابه الأخير: “السياسة الثقافية في المغرب الراهن”، فاضحا ـ بجرأة ومرارة ـ واقع الثقافة في المغرب؛ مؤكدا أنها، طيلة أزيد من ربع قرن من استقلال البلاد، وهي تعاني من التهميش والإهمال وعدم المبالاة. أكثر من ذلك، كان التوجه الرسمي للحكومات المتعاقبة يسخّر بعض المظاهر الثقافية لتكريس المسلكيات السلبية ذاتها، ولمحاربة كل طموح نحو التغيير وتجاوز الإحباطات المتتالية في شتى المجالات؛ عوض أن يجعل الثقافة أداة للتنوير وتنمية الوعي وترسيخ قيم الاعتزاز بالذات الجمْعية المتأصلة في عمقها التراثي المشرق والمنفتحة في الآن نفسه على مستجدات العطاء الإنساني المشترك.

يستقرئ الكاتب مفهوم “السياسة الثقافية”، فيوضح أنها ليست فلسفة، وليست كذلك مجموع مخططات فقط، ولكنها مجموعة تخطيطات تخدم مشروعا يعتمد على فلسفة عامة كبرى تراعي حاجيات المجتمع وخصوصياته. وفي مجتمعنا، لا يمكن أن تكون السياسة الثقافية المأمولة غير ترجمة لتحقيق التغيير، أي أن تحقيق التنمية الحقة التي تتوافق فيها أوراش العمل من أجل دفع الإنسان ليكون فاعلا ومشاركا ومنتجا ومسؤولا في الآن نفسه، وأن يكون مقتنعا بجدوى ما يفعل. وتحقيق التنمية يمر دائما، وباستمرار ،عبر طريق الثقافة، فقبل التخطيط الاقتصادي يجب تهيئة الإنسان وفهمه وتنشيطه وتربيته، إذ إن الإنسان هو الغاية والهدف والوسيلة في الوقت ذاته.

يكشف السلاوي عن حقيقة مؤلمة، مفادها أن موضوع الثقافة ظل غائبا عن التفكير، وعن السياسات الحكومية منذ حصول المغرب على استقلاله (1955)، فكل الإنجازات الثقافية التي تم تحقيقها على أرض الواقع، متواضعة وهشة، تمت بمجهود الأفراد والباحثين والكتاب والفنانين، وبعض جمعيات المجتمع المدني، حسب إمكانياتهم الذاتية وتضحياتهم الخاصة، وهم بذلك حافظوا على بعض ملامح الثقافة المغربية وعلى بعض ملامح تراثها ومكوناتها. ويتابع قوله: إن أدوار المثقفين المغاربة في عقود القرن الماضي، حتى وإن كانت جزءا من وضعية التراجع العامة الحاصلة في الواقع السياسي، إلا أنها فاقت أدوار باقي الفاعلين في المشهد التاريخي، في تنوعه وتعقيداته، ليس بسبب وعي النخبة الثقافية المبكر، ولكن أيضا بسبب إيمان هذه النخبة وإصرارها على التغيير والانتقال من إلى مرحلة أحسن.

جوابا على سؤال عمّا إذا كان إدراك النخبة المغربية واهتمامها بالشأن الثقافي يعكس إحساسها بالاستحقاق الزمني الراهن، يؤكد المؤلف أن الوعي الذي يحصل لدى النخبة الثقافية المفكرة والمبدعة تجاه هذا الاستحقاق، هو الذي يتيح لها وضع نفسها في علاقة مباشرة مع تراثها الثقافي، ومع تطلعاتها المستقبلية في الآن نفسه؛ فهي تواجه الثقافة الامبريالية والثقافية الصهيونية والثقافة الغازية متعددة الأهداف، بثقافة تواجه موضعيا تحديات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، تنطق بلغة الممارسة النضالية الحية، أو بلغة التراث العريق والمتجذر في الهوية والتاريخ، ولكنها تكرس قيم العقلانية والاستنارة والإبداع والخلق وروح النقد والتجديد خارج أي تخطيط أو توجيه أو دعم أو رعاية، وتصر على التحرر الإنساني والتقدم الاجتماعي، وهو ما يترجم إحساسها الزمني بالاستحقاق سالف الذكر.

إن النخبة الثقافية المغربية تعتبر الثقافة من المحفزات والدعامات الأساسية لهذا الاستحقاق، فهي رهان تفرضه وتحتمه العولمة ومتطلبات التنمية الشاملة. غير أن المثقف المغربي، الذي يعمل خارج أية سياسة أو إستراتيجية ثقافية ـ كما يلاحظ السلاوي ـ أصبح يعاني سلسلة أزمات لا حد لها، فهو يعرف دوره في المجال، ولكنه ضائع بين ضغط السلطة وبين تزلفه إليها، فهو إما يكون عميلا لهذه السلطة، أو متصارعا معها

بأسف شديد، يقول كاتبنا: إن وزارة الثقافة المغربية شملها ما شمل العديد من وزارات الحكومات المغربية المتعاقبة، خلال العقود الأربعة الماضية: الفراغ، الهشاشة، الفساد، الافتقار إلى سياسة أو رؤية أو إستراتيجية واضحة في المجال الثقافي. لقد تعاقب على هذه الوزارة، خلال العقود الأربعة الماضية، العديد من الأسماء “الغليظة”، بعضها يحترف الحديث عن الثقافة، وأغلبها لا علاقة له بتدبير شؤونها، وهو ما راكم فجوات وثقوبا على المشهد الثقافي المغربي. بل هو ما طبع هذا المشهد بسلوكات التحقير والتهميش أحيانا و بالزبونية والإقصاء والمحسوبية أحيانا أخرى. الأكيد، إذنْ، أنّ غياب سياسة ثقافية من المشهد الحكومي بالمغرب لم يكن غيابا عشوائيا، بل حكمته طوال هذا التاريخ، خلفية إيديولوجية تعادي الثقافة وتجعل منها عدوا للسلطة.

يمكن قياس السياسة الثقافية بمغرب الألفية الثالثة، أي بعد نصف قرن من حصول المغرب على استقلاله، بما تحمله التقارير الدولية الرسمية عن القراءة والكتابة والنشر، وهي الأدوات الأكثر تعبيرا عن الثقافة والفكر، مثلما يورد محمد أديب السلاوي، مشيرا إلى أن إحصائيات “اليونسكو” و”الألسكو” توضح أن معدل القراءة في مغرب الألفية الثالثة لا يتجاوز ست دقائق في السنة للفرد الواحد، وأن معدل نشر الكتب لا يصل إلى كتاب واحد لكل ربع مليون مواطن.

يتوقف الكاتب عند المفارقة التالية: في بداية القرن الماضي، كان عدد سكان المغرب لا يتجاوزون عشرة ملايين، ولم تكن فيه سوى جامعة القرويين بفاس وجامعة ابن يوسف بمراكش. وكانت المطابع الحجرية تطبع من بعض الكتب العلمية أو الفقهية عشرات المئات من النسخ في المتوسط. اليوم، وقد تجاوز عدد سكان البلاد الثلاثين مليون نسمة، وتجاوز عدد جامعاتها ومعاهدها ومدارسها العليا العشرين، والكتاب ما زال على حالته، لا تستطيع دور النشر طبع وتوزيع أكثر من ألف أو ألف وخمسمائة نسخة في أحسن الأحوال (حسب تصريحات وبلاغات وإعلانات دور النشر المنتشرة في العديد من المدن المغربية)، وهو ما يشير إلى حالة عياء في الثقافة المغربية المعاصرة، وهي حالة تجد جذورها بطبيعة الحال في الأمية الكاسحة، وفي الانحدار المريع في وضع التربية والتعليم والبحث العلمي، وفي انعدام أي تخطيط أو إستراتيجية للتنمية الثقافية… وبالتالي في الإهمال الذي عانت وما زالت تعاني منه الثقافة وشؤونها في السياسات الحكومية المتعاقبة.

في اعتقاد السلاوي، فإن أزمة الكتاب في المغرب تساهم فيها ـ إضافة إلى وزارة الثقافة ـ عدة أطراف، فهي أزمة المؤلفين والمترجمين والطابعين والمصممين والناشرين والموزعين، فضلا عن القراء المستهلكين للكتاب. ويورد المؤلف وجهة نظر الشاعر والناشر محمد بنيس التي تتلخص في أن وضعية الكتاب تحدّ من الحلم بالكتاب الذي يكون وجها لحياة ثانية، ولا تكتمل صورة هذه الوضعية في حقل الكتاب الثقافي الحديث بالعربية في المغرب إلا بإبراز مجموعة من العوامل:

ـ عدم ميل المغاربة إلى القراءة، لا بسبب ارتفاع نسبة الأمية، بل بسبب انعدام الرغبة في القراءة لدى المتعلمين من جميع المستويات التعليمية.

ـ سيادة ثقافة الإعلام والاستهلاك في سائر مجالات الحياة. ويعتبر التلفزيون الوسيلة المفضلة لسيادة هذه الثقافة.

ـ انتشار سريع وسهل لثقافة الإنترنت، لا كمكمل للكتاب أو جسر يؤدي إلى الكتاب، بل كنفي للكتاب واستغناء تام عنه.

ـ اختزال الثقافة المكتوبة بالعربية إلى ثقافة دينية تقليدية.

ـ اتساع حقل الثقافة الفرنكفونية (الشفوية والمكتوبة) في أغلب مناحي الحياة اليومية.

ـ تقلص الطلب على الكتاب في أغلب البلاد العربية.

من بين الحلول التي يقترحها الباحثون المتخصصون لهذه الإشكالية: ضرورة دخول المؤسسة التعليمية بقوة وبكل فعالية في تفعيل القراءة، من خلال عقد شراكات تفتح الباب على مصراعيه لحضور الكتاب داخل هذا الوسط الذي يفترض فيه أن يكون أكبر سوق للكتاب من خلال عدد التلاميذ والطلبة والأطر التعليمية.

إن إنجاز إستراتيجية ثقافية لا يعني كلاما عابرا في زمن عابر، إذ لا بد له من أن يخضع لشروطه الموضوعية. لذلك، يدعو محمد أديب السلاوي السلطة السياسية في المغرب إلى أن تفسح المجال لكل الفاعلين الثقافيين، من كل الفئات الثقافية، لخلق إجماع فكري ثقافي مستقل، يحتضن كل التيارات المهتمة بالمسألة الثقافية، للتداول في مفاهيم ومتطلبات هذه الإستراتيجية التي تستدعي جعل الثقافة فضاء للابتكار والإبداع وتأسيس وعي نقدي تسنده قيم الحرية والمساءلة في المجتمعين السياسي والمدني، وجعل الثقافة أيضا إسهاما يوميا لتمكين المواطن من تحصيل المعرفة والتربية والذوق والإحساس الجمالي وتنمية الملكة النقدية.

بنبرة تمزج بين التهكم والحسرة واليأس من المستنفذين المتسلطين على الشأن الثقافي يقول السلاوي: لا أحد ينتظر من وزارة الثقافة و”أصنامها” الإجابة عن الأسئلة المطروحة على هذا القطاع. ولكن الكل ينتظر أن يتمكن مغرب العهد الجديد (مغرب الألفية الثالثة، مغرب دولة الحق والقانون، مغرب المواطنة) من إدارة الشأن الثقافي وحماية كرامة الجهد الثقافي وكرامة أصحاب هذا الجهد. وفي هذا الإطار، يقترح مؤلف الكتاب إعادة هيكلة الإدارة الثقافية، بما يناسب توسيع دائرة الإنتاج الثقافي، واعتماد سياسة دعم هذا الإنتاج وانتشار تداوله، مع إعادة الاعتبار لقيم التعدد والإبداع، وتمكين المواطنين في المغرب النافع وغير النافع، من الكتاب واللوحة والقطعة الموسيقية والمسرحية، وخلق فضاءات ثقافية جديدة، تسهل اتصال المواطنين بالمعارف الجديدة، وبناء هياكل ثقافية عصرية تغطي حاجيات المغرب في مجالات التراث والفنون والكتاب، وتؤهله لدخول أطوار التنمية الفنية والعلمية والاقتصادية، ودعم الكتاب والمبدعين بما يضمن حياتهم وإنتاجهم الثقافي وحماية عيشهم الكريم من الفقر والتهميش والضياع والموت البطيء.

عن Scoopress

تحقق أيضا

وأخيرا …زياش يحمل قميص نادي تشيلسي

حكيم زياش سكوبريس.ما ـ السعيد بنلباه نشر نادي تشيلسي الأنجليزي، عبر حسابه على وسائل التواصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *