الرئيسية / سياسية / العظيم عظيما.. والكبير كبيرا.. ومارادونا واحد من العظماء الكبار

العظيم عظيما.. والكبير كبيرا.. ومارادونا واحد من العظماء الكبار

حمادي الغاري

جعلتني وفاة وجنازة الأسطورة الكروية العالمية، دييغورأرماندو مارادونا ، والاهتمام الكبير، والتعاطف اللافت الذي حظي به، أستحضر وفاة وجنازة شخصيات وطنية عظيمة: الملكان الراحلان محمد الخامس والحسن الثاني، علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد.

الملكان الراحلان محمد الخامس والحسن الثاني

حين تم الإعلان عن وفاة الملك محمد الخامس، يوم 26 فبراير 1961، كنت وقتها صغيرا لم ألج المدرسة بعد، لكني شاهدت، بعد زوال يوم 10 رمضان، تدفُّق مئات الرجال والنساء إلى الشارع والساحات وهم يبكون ويصيحون حزنا على وفاة الملك العظيم.. لدرجة أن المواطنين تركوا موائد الإفطار، وخرجوا إلى الشوارع التي ظلوا فيها إلى آخر ساعة من الليل..ينتظرون أيّ خبر..أما يوم الإعلان عن دفنه، فقد كان يوما مشهودا، حيث اجتاح الآلاف من المواطنين فضاء توراكة الذي يوجد فيه القصر الملكي وساحات وشوارع العاصمة التي ضاقت بهم بما رحُبَت.. نفس المشهد، مع زيادة في عدد السكان بالمغرب، حدث بمناسبة وفاة الملك النابغة الحسن الثاني الذي سار وراء نعشه ، مشيا على الأقدام عدد لافت من رؤساء وزعماء العالم ، ومن بينهم على الخصوص الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، الذي أبى إلا أن يسير في جنازة الحسن الثاني أكثر من عشر كيلومترات ، انطلاقا من القصر الملكي إلى حيث مكان دفنه بضريح مجمد الخامس بالرباط ، وهو يشاهد ويتأمل ،باندهاش وإعجاب، عشرات الآلاف من المواطنين يودّْعون ملكهم..في مشهد أكاد أجزم أنه لم برَه في حياته..

 عند وفاة الزعيم الاستقلالي علال الفاسي ، ومع وفاة الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد ..عاشت العاصمة الرباط ساعات استثنائية قد لا تتكرر بنفس الوهج وبنفس الحرارة وأيضا بنفس الصدق .. كان الحزن صادقا ، نابعا من أعماق القلب ..تلمسه في المواطنين ، سواء كانوا منتمين للحزب أو لا، فالأمر يتعلق  أوَّلاً وأخيرا بشخصيتين من شخصيات الوطن؛ ومن

رجال دولة، ويمثِّلون زعامة حقيقية وليس صورية أو وهمية..

هنا تظهر قيمة حضور الزعماء الكبار، بقدر ما تظهر قيمة غيابهم: حضور وازِن وغياب مؤثِّر.نستأنس بوجودهم ونشعر باليُتْم عند وفاتهم، لأنه حين تفقد عزيزا عظيما كأنك تفقد كل شيء في الوجود حولك، ويتطلب الأمر أياما وشهورا للاستئناس بالوضع الجديد..تماما كما يحدث عند وفاة أمّك وأبيك وكل عزيز غال عندك..وإلى اليوم، لا يمكن نسيان مشهد جنازة محمد الخامس والحسن الثاني وعلال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد، بنفس الإحساس والشعور بالنسبة للوالدين..

إن الإحساس بطعم الحياة وقيمتها لا يدركهما الإنسان إلى عند لحظة الموت؛ لأن الحياة هي الموت والموت هو الحياة؛ ذلك أن الإنسان يحيا ليموت، لكن يترك وراءه الحياة. وتلك معادلة لا يفكّ لغزها أو كُنْهُها إلا النسيان؛ لأن الحياة تجعلنا، بصخبها وضجيجها ومتاعبها وتدافُعِها..وكل الشر والحقد والكدْح والمعاناة..التي فيها، ننسى، في لحظة من اللحظات، كل عزيز فقدناه ..ومن هنا اعْتُبِر النسيان نعمة من النِّعَم.

هاهي وفاة مارادونا تثير تعاطفاً قلّ نظيره في العالم. مات قبله عظماء وزعماء مثل غاندي ،نهرو وابنته ،كيندي، مارتان لوثر كينغ،شارل دوغول ،نيلسون مانديلا … وإذا كانت وفاة الأشخاص العاديين تُنْسى بعد أربع وعشرين ساعة وتُرْفع الأقلام و تُجَفُّ الْمُقَل..فإن ذكرى العظماء تبقى حيّة راسخة في القلب والذاكرة. وينطبق هذا أيضا على كل عظيم تعرفه سواء في أسرتك أو حيّك أو مدينتك..قد يكون مجذوباً من المجاذيب، لا يُعيره أحد أدنى اهتمام، أو رجلا بسيط الحال، لكنه كبير العقل والوجدان …

ماراددونا بقميص المنتخب المغربي في ملعب الأغظف بمدينة العيون

حقّاً ،كان مارادونا بمهارته الاستثنائية كلاعب وحيد يُراود الكرة ويُروِّضُها كيفما شاء ،وهي تستجيب له وتستسلم لرغبته وجنونه وجُمُوحه ..؛ كان اللاعب الذي يتلاعب بخط الدفاع كاملا، ويُركن الكرة في الزاوية التي يريد من الشباك بكل سهولة..كان لاعبا استثنائيا .أليس هو من كان وراء فوز منتخب الأرجنتين بكأس العالم سنة 1986؟ أليس هو الذي أخرج فريق نابولي من غياهب النسيان إلى دائرة الأضواء؟ أليس هو الذي وقف في وجه طغيان وجبروت الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)؟ أليس هو الذي كان لا يخضع لأي خطّة مُعِدّة سلفاً من طرف أي كان..؟ ليس أنانية منه أو تكبّراً أو استصغارا للمدرب وزملائه اللاعبين..لا.. كان الفتى حين يدخل إلى رقعة الملعب يتحوّل إلى مارد لا يستطيع أيّ أحد أن يُوقِفه .. ؛ولا يمكن لأيّ مدافع أن يحُدَّ من خطورته..لسبب بسيط هو أن الكرة تُطاوعه تلتحم به…تستحوذ عليه ويستحوذ عليها ، تعشقه .. ومن الصعب جدا أن تنزعها من بين قدميه..حتى الإبداع كان يُواتِيه ويستجيب ، بل يخضع له..

كان مارادونا ماردا ..مجنونا ..مجذوباً .لا يمكن إيقافه. هنا يكمن سرّ عظمته..التي تزداد عظمة حين نعلَم مواقفه الصارخة ضد الطغيان والفساد والجبروت …مما جعل الطغاة والفاسدون ، من كل حدَبٍ وصوْبٍ، يجتمعون حوله لإذلاله وتحطيمه…

كان هناك أيضا مارادونا المغربي.

إِيه..مارادونا المغربي الذي جاء إلى المغرب ضمن كوكبة من نجوم الكرة العالمية، بمناسيبة احتفالات الشعب المغربي بذكرى المسيرة الخضراء ؛ويحمل قميص منتخبنا الوطني في مباراة خالدة بملعب الشيخ الأغظف بمدينة العيون؛ ويصرّح لوسائل الإعلام قائلا: نعم أنا في مدينة العيون بالصحراء المغربية..وأنا لم آت للمغرب من أجل المال، بل لأني أحب المغرب وملك المغرب وشعب المغرب ..كما لم يتردد، في إحدى الحفلات المُقامَة بالمناسبة، أن يرقص على نغمات الأهازيج والأغاني المغربية ..وهو في كامل الانشراح..

مبادرة والتفاتةٌ لن ينساها أيُّ مغربي من لاعب كبير ، فريد، استثنائي، مارد، أسطورة …مجذوب..عظيم.. اسمه دييغور أرماندو مارادونا.ولا عجب أن تكون جنازته جنازة عظماء.

عن Scoopress

تحقق أيضا

توجُّس المغاربة المهاجرين من سريان التصريح بالممتلكات ومحاربة التهرب الضريبي عليهم

  محمد الأمين أزروال الهجرة ظاهرة انسانية قديمة قدم الإنسان نفسه، ففي بدء ظهور أول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *