الرئيسية / سياسية / الجزائر في علاقاتها مع المغرب: “إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا “

الجزائر في علاقاتها مع المغرب: “إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا “

 
  إدريس أبو الشمائل
 هذه الآية الكريمة الحاملة للرقم العشرين بعد المائة من سورة آل عمران، تنطبق تمام الانطباق على موقف حكام الجزائر مِنّا، ولو أنه يُحْزنني أن يكون الأمر كذلك ، طالما أن المتضرر من هذا الواقع المُرّ هو الشعب الجزائري الشقيق في المقام الأول. فهو الذي يؤدي فاتورة ثقيلة عن قضية ما هي بقضيته، وهو ليس مِنْها لا في العِيرِ ولا في النَّفِير. لهذا فأنا أرْبأ بنفسي عن أن أقصد الشعب الجزائري الشقيق الذي يجمعنا به كل شيء إلى درجة الذوبان في البعض، لكثرة ما بيننا من أواصر وجوامع . ويكفينا أنه هو نفسه يعاني من حكّامه ويقاطع عمليات انتخابهم، حتى أصبح الرئيس فيهم ينتخب من قِبَل أقل من ثلث السكان ، دون اعتبار لِمَا يتسرب من تزوير حتى لهذا الثلث المنقوص ! 
هؤلاء الحكام الذين تغيّر العالم كله حولهم وهم ما زالوا يغطُّون في نوم عميق يُذكِّر بحال أهل الكهف الذين تجمدوا في الزمان والمكان، جُبِلوا على كُرْه المغرب ، حتى صار بلدنا هاجسهم الأكبر . وقد تحوّل هذا الهاجس إلى مرض مُزمن خطير ، أصبحوا معه لا يحددون مواقفهم إلا بالتموقع في الضفة المعاكسة لضفتنا . 
خريطة المملكة المغربية
ففي الوقت الذي كنا نعتقد فيه أن الأمور ستتحسن بذهاب الفئة السياسية المترهلة جسدا وروحا ، والتي وقف الحَراك الشعبي الجزائري في وجهها، نُفاجَأ بأن ذيل القطار المهترئ طويل، وأن دار لقمان تبقى على حالها باستمرار ، لأن تغيير بعض الوجوه لا يعني حدوث تغيير بالضرورة ، لاسيما إذا كان شكليَّ المظهر واستمراريُّ المَخْبَر . فالماسكون بزمام الأمور خلف القناع الأسود والستارة المُعْتِمة، هم عساكرُ عُنُدٌ، يعيشون بأجسادهم في القرن الحادي والعشرين، ولكن فكرهم مُرْتَهن بحقبة بائدة تعود لستينيات القرن الماضي. وأخطر من هذا أن أَنْفَذُهُم في النظام كان مَدَرُّ لَبَنه الأصلي ضَرْعَ فرنسا قبل الانتقال إلى الضرع الجزائري .  
يعرف المتتبعون للشأن المغاربي أن حكام الجزائر، المُشَكَّلين في قوالب من صُنْعٍ عسكري خالص، يكرهون المغرب لحاجة في نفس يعقوب. فهم يدركون أن لا أمل لهم في ولوج المعترك السياسي في بلادهم دون المرور باختبار التلقين والتكييف النفسي لزرع النفور فيهم منه. لهذا يُلاحَظ أن ردود أفعالهم المعاكسة للمغرب لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد حتى إلى ما هو غير سياسي، طالما أنه يخدم هدفهم المُبَيَّت في الحُؤُول دون بروز أي شأن لبلدنا ، صَغُرَ هذا الشأن أم كَبُر. 
وهذا ليس غريبا في الواقع بالنسبة لحكام بنَوْا سياستهم على عقيدة عسكرية رهيبة، ترى أن قوة الجزائر وريادتها في المنطقة رهينتان بضعف المغرب. ولذلك فهم لا يترددون لحظة في العمل على إضعافه بكل الوسائل، حتى لو أدى ذلك إلى استنزاف كبير لمُقَدَّرَات الجزائر نفسها، وإلى إضعاف تامٍّ لها كما هو الشأن حاليا . وهم يصرون على هذا الموقف، مع أن التفكير السليم، إستراتيجياً واقتصادياً وانْتِمائياً، يؤكد أن القوة الحقيقية للبلدين كِليْهما تكمن في قوتهما معاً، وأنه حتى في حالة ضعفهما، فسيتقويان لا محالة بالتكاتف والتكامل. وهناك إحصائيات اقتصادية دقيقة ،لا يمكن الطعن في صِدْقيتها، تبين مدى الخسارة التي مُنِي ويُمْنَى بها البلدان، ومعهما المغرب الكبير ككل، جرّاء هذا التعنت الجزائري . 
واضحٌ أنهم يدركون، في قرارة أنفسهم، أن المقامرة بمثل هذه السياسة مكلِّفة وغير مُنْتِجة، ويعرفون أكثر أن الصحراء مغربية الانتماء، كما يظهر من اعترافات بعضهم عندما يبتعدون أو يُبْعَدُون عن دواليب الحكم، ومع ذلك يُصِرُّونَ على الحِنْثِ العظيم !. وقد أوقعهم هذا التصرف في الكثير من المتناقضات والتصرفات التي لا تليق برجال دولة  من قبيل اللجوء إلى سياسة ردود أفعال صبيانية ، والانتفاخ المَرَضي  والمُماحَكة، والمنافسة الكَيْدِية، والمزايدات المضحكة، مثل بناء مسجد أكبر من مسجد الحسن الثاني، والقول أن الجزائر هي الدولة الأولى التي اعترفت بأمريكا، والسطو على شخصيات تاريخية بجعلها جزائرية رغما عنها، مع أن التلاميذ في المراحل الثانوية يعرفون أن الأمر بعيد عن الحقيقة، وأشياء أخرى كثيرة من هذا القبيل لا داعي للإطالة فيها . 
 مثل هذه التصرفات لا شك في كونها مَرَضيةَ المنشإِ والدافع . وليس في هذا أي تحامل من جانبي، طالما أن مثل هذا الرأي يَرِد على ألسنة الكثير من المتتبعين للشأن الجزائري والمغاربي عموما. بل يقوله حتى عدد من المثقفين الجزائريين النزهاء أنفسهم، الذين يذهبون إلى أبعد من هذا في تحليلهم، فيتحدثون عن وجود أزمة هوية في الجزائر. ولا يزال يرِنُّ في أذني ما قاله، في يوم من الأيام ،السيد نور الدين بوكروح (وهو سياسي ومثقف كبير غني عن التعريف)، على شاشة التلفزيون الجزائري بالحرف الواحد : Nous sommes les clandestins de l’histoire !  
فتناقضات حكام الجزائر تعود إلى كون كرههم للمغرب يُؤَجِّجه شعورٌ دفين بكون دولتهم حديثة النشأة، وتكاد تكون بِنْتَ يومِها بالمقارنة مع دولة عريقة، باسم المغرب، تضرب جذورها في عمق التاريخ. لهذا نراهم في علاقتهم ببلدنا، يتصرفون بانفعالية المَوْتُورِين، ويُقْدِمون على أشياء لا يعرفون أصلاً هل هي مُجْزيةٌ أم غير مُجزية. فهُم لا يترددون في ولوج أي نفق قد يكون فيه إضرار بمصالحه، دون التفكير حتى فيما إذا كان للنفق مخرج أم أنه مُنْسَدُّ الأفق. لا يفكرون أبدا في احتمالات الرِّجعة الضرورية في حالة الانسداد، كما يفعل السياسيون الشجعان عند ثبوت الخطإِ في التقدير. الحاضرُ في أذهانهم دائما هو الذهاب إلى أبعد حد في المعاكسة، بمعنى : ” ماعزة ولو طارت ” .. ولا غَرْوَ ، فقصة “النيف” التي يتباهون بها عن حق أو باطل،  ويحشرونها في كل شيء ، قصة معروفة ! 
مثل هذه السياسة المتطرفة في المعاداة لا تصدر إلا عن حاقد مُغْرِقٌ في الحقد، تُعميه شدة العداوة عن رؤية الصواب، أو عن متطفل على السياسة حَمَلتْه تقلباتُ الظروف ورياح السياسة ، ففرض نفسه على الناس بالحديد والنار، لأنه خاوي الوفاض وليس لديه من سُبُلٍ للإقناع غيرهما. وأعتقد أن حكام الجزائر ، في هذا الشأن بالذات ، يَجْمعون بين السَّوْءَتَبن معاً .  
 
                                المبدأ والنقيض 
ليس غريبا في مثل هذه الحالة أن يسقط هؤلاء الحكام في المتناقضات، وأن يختلط  لديهم الخَاثِرُ بالزُّبَاد، لأن منطلق تفكيرهم غير سليم، ويُخفي غير ما يُظهر. فهم يقولون إن موقفهم من الصحراء المغربية موقف مبدئي، وأن دوافعهم الوحيدة هي حرصهم على دعم التحرر، ولكن هذه المبادئ تغيب تماما عن مواقفهم عندما يتعلق الأمر بقضايا أخرى ترتبط  بدول لهم معها علاقات وطيدة . ولو أردنا أن نسردها كلها لَضَاقَ الحَيِّزُ بنا. ويقولون أيضا إنهم يساندون حق تقرير مصير الشعب “الصحراوي”.. ولو كان مجرد الانتماء للصحراء يخلق دولة وشعبا، لكان أحرى أن ينطبق ذلك على صحرائهم المترامية الأطراف، التي ما ورثوها عن أبٍ وَجَدّ ، بل تفضّل عليهم بها الاستعمار الفرنسي بعد اقتطاعها من أراضي الغير. والغريب أنهم يَدَّعُون كُره الاستعمار ويجهرون بذلك ، لكنهم لا يجدون أي غضاضة  في اسْتِحْلاء ميراثه !.  
   فَلْنُساير منطقهم المُخاتِل بشأن حرصهم على مساندة تقرير مصير مَنْ يرونه شعباً صحراوياً ، ولْنَسْألْهمْ كيف يستقيم الأمر وهم قرروا مصيره من زمان، منذ لحظةِ اصطناعهم ل”البوليساريو” ، باعترافهم بها وب”جمهوريتها” ؟ لم يكتفوا بذلك ، بل لجؤوا إلى دبلوماسية الشيكات لحمل عدد من الدول الأفريقية على مجاراتهم في المغامرة . ويعرف أقل المتتبعين للشأن السياسي أن الدبلوماسية الجزائرية، منذ 1975 ، ليس لها قضية أخرى غير قضية  الصحراء تدافع عنها في المحافل الدولية. وقد أرهق حكام قصر المرادية كاهل الشعب الجزائري بحرمانه من ثروات هائلة كانت كفيلة بجعله أحسن حالا مما هو عليه الآن : شعبٌ غنيٌّ على الورق وفقيرٌ إلى حدِّ الإدْقاع في معيشه اليومي !
فجزائر الحكام تقوم بكل هذا وترضاه لنفسها، ولكنها تَردُّ بشكل عنيف على كل بلد يعترف بمغربية الصحراء أو يفتح قنصلية له بالعيون أو الداخلة، وتستدعي سفيره لديها لتحتج عليه بقوة ، وربما ذهبت أبعد من الاحتجاج لو تعلق الأمر ببلد تراه أضعف منها !.     
فإذا كانت القضية قائمة بين المغرب و”البوليساريو” كما يدَّعي حكام العسكر، فلماذا يضربون حصاراً رهيباً على تندوف التي يمْنَعون دخولها حتى على الجزائريين أنفسهم ؟ ولماذا يمنعون من يسمونهم لاجئين من مغادرة المخيمات ويرفضون أي عملية لإحصائهم بالرغم من دعوة الأمم المتحدة إلى القيام بمثل هذا الإحصاء ؟  
                               حبل الكذب قصير 
إن الأسئلة كثيرة وأجوبتها واضحة وضوح الشمس. فالقضية في جوهرها قائمة بين المغرب والجزائر، لهذا لم يعد أحد يثق بما تقوله جارتنا الشرقية لأن أقوالها تكذبها الأفعال. ومنظمة الأمم المتحدة ما كان ليغيب عنها ذلك، لهذا أصبحت تعتبرها طرفا في القضية. ومن حسنات اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء أنها لم تترك للعسكر مجالا لمزيد من التخفي وراء الأعذار الواهية . فهذا الاعتراف أخرج حكامَ الجزائر عن طورهم إلى الحد الذي جعلهم يزيحون القناع عن وجوههم بكيفية نهائية ، ويتحدثون بوجه مكشوف ، وبلسان الطامع غير المُراوغ . 
في مقالة سابقة نشرتها على هذه الصفحة، قلت إن حكام الجزائر اقترفوا خطأ إستراتيجيا رهيبا في تقديرهم للأمور . فقد أعماهم الحقد على المغرب عن الرؤية البعيدة والمتبصرة التي كانت كفيلة بجعلهم على الأقل أكثر اعتدالا في المخاصمة والمعاداة بشأن قضية الصحراء ، التي هي في الجزائر قضية نظام، بينما هي في المغرب قضية شعب بكامله، لن يحيد عن الدفاع عنها حتى يَردَ الضَّبّ !. فهم يعاكسون شعبا وقف مع بلدهم في أحلك أيامه بالمال والعتاد والدم. ولكنهم، في المقابل، ضَنُّوا عليه حتى بالكلمة الطيبة والمساندة المعنوية، عندما تعلق الأمر بأزمة جزيرة “ليلى” سنة 2002 . وقد فضل هؤلاء المُتبجِّحون بالدفاع عن المبادئ ، مناصرةَ إسبانيا ، دون أن تَرِفَّ لهم لذلك عين !     
صخرة صغيرة لا تفصلها عن الشاطئ المغربي إلا حوالي مائتي متر، في المياه المغربية الشمالية قبالة جبل موسى، يمكن الوصول إليها من البر المغربي سباحةً، دافعت جزائر المبادئ عن إسبانيتها ووصفت المغرب بالمحتل لها ، مُقَدِّمةً دعمها لحكومة اليميني المتعصب خوسي ماريا أثنار. هذه الجزيرة غير المأهولة التي كان يسرح فيها مَعْزُ امرأة مغربية من المنطقة ، تراها جزائر مناصرة التحرر ومناهضة الاستعمار جزيرةً غيرَ مغربية ! الأدهى والأمَرّ أن نظام العسكر يناور أيضا، في معاكسته للمغرب بخصوص مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. فهو يقوم بمحاولات دنيئة ، بعضها ظاهر وبعضها خفي، لإفشال أي عمل يقوم به المغرب لجعل تَكْلِفة بقائهما رهن الاحتلال باهظة بالنسبة للحكومة الإسبانية . وقد وردت أخبار من مصادر إسبانية، لم تكذبها الجزائر على كل حال ، تفيد أن سلطات هذا البلد تنوي إحداث خط بحري بين مدينة مليلية وميناء مدينة الغزوات بالجزائر، بهدف إفشال الضغط الاقتصادي المغربي على المدينة المحتلة. وهذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو دعم السلطات الجزائرية للاستعمار الإسباني على حساب حقوق بلد شقيق هو المغرب . ويحدث هذا بصدد قضية لا علاقة لها بالصحراء المغربية أصلا. ولكن مَرْضى العُقْدة النفسية ومُتَلازِمةِ المغرب، يرون كل شيء بمنظار الصحراء والعداوة، حتى لو أدى الأمر بارتهان مصالح بلدهم الحَقَّة . 
وأخطر من ذلك هو وُرُود أخبار تتحدث عن كون المخابرات العسكرية الجزائرية تقوم بمحاولات للإسهام في تغيير وطمس الهوية المغربية لمدينة مليلية من خلال التغيير الديموغرافي للسكان الأصليين . انظر إلى أي حد يذهب الحقد على المغرب بأمثال هؤلاء الحكام ! ولسنا في حاجة إلى التذكير بأن هذه المناورات مآلها إلى الفشل لا محالة ، لأن المغرب هو الأعرف عربيا ودوليا بإسبانبا ، والأقدر على التعامل معها بالكيفية المناسبة، لأنه سبق له أن كان له معها صولات وجولات أثَّرَت في تاريخهما معاً وجعلتهما يعرفان بعضهما حق المعرفة . 
وإذْ نُذكّر بهذه المناورات الدنيئة لا نروم إلا كشْف عورات هؤلاء الحكام، ولفْت الانتباه إلى حقيقة نواياهم ، بفضح كيفَ وفِيمَ تُهْدر ثروات الشعب الجزائري الشقيق من قِبَلِ نظامهم العسكري . فهذا النظام همّه الوحيد هو الاستمرار في السلطة بكل الوسائل، ومن بينها المراهنة على “الاستثمار” في الجانب النفسي، بتخويف شعبه من خطر إرهاب داخلي هو صانعه ومُتَعَهِّدُه ، ومن تهديد خارجي افتراضي لأمن الجزائر، يراه  قادماً حَصْراً وقَصْراً من بوابة المغرب، مع أن الجزائر لها حدود مع خمس دول أخرى غير المغرب، أَأْمَنُها على الإطلاق هي حدودها مع بلدنا ! 

عن Scoopress

تحقق أيضا

الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: تعويضات للعاملين في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية

  سكوبريس تم الإعلان عن تخصيص تعويضات جزافية لفائدة الفاعلين في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *